07 Apr
07Apr


وجد العراق نفسه مرة أخرى في قلب صراع إقليمي لا يستطيع أن يكون بعيداً عنه، ولا يملك في الوقت نفسه القدرة على أن يكون طرفاً كاملاً فيه. وفي الحالتين، سواء حاول الابتعاد أو وجد نفسه منخرطاً بحكم الجغرافيا والسياسة، فإنه يدفع الثمن اقتصادياً وأمنياً وسياسياً. هذه هي معضلة الدول الواقعة في مناطق التماس:

عدم المشاركة لا يعفيها من الكلفة،

والمشاركة ليست خياراً ممكناً. ولا أحد اليوم يستطيع الجزم كيف ستنتهي هذه الحرب، ولا إلى أي مدى يمكن أن تتوسع. لكن المؤكد أن هذه المرحلة كشفت حقائق مصيرية بالنسبة للعراق، ربما كان يمكن تأجيل التفكير بها في ظروف طبيعية، لكنها لم تعد قابلة للتأجيل الآن.

 النفط… حين يتحول الاقتصاد إلى قضية أمن وطني

أخطر ما كشفته هذه الأزمة ليس الجانب الأمني فقط، بل الجانب الاقتصادي، وتحديداً هشاشة منافذ تصدير النفط العراقي. فالنفط ليس مجرد مورد مالي، بل هو الركيزة التي تقوم عليها الدولة العراقية نفسها. الرواتب، الموازنة، الخدمات، والاستقرار الاجتماعي… كلها تعتمد على استمرار تدفق صادرات النفط دون انقطاع. ومن هنا يجب التعامل مع هذه الحقيقة بوضوح:

تصدير النفط لم يعد قضية اقتصادية فقط،

بل أصبح قضية أمن قومي عراقي

فأي تهديد لمنافذ التصدير لا يعني فقط انخفاض الإيرادات، بل يعني احتمال اهتزاز الاستقرار الداخلي، وهو ما يجعل تنويع طرق التصدير مسألة سيادية لا مشروعاً اقتصادياً عادياً. 

نقطة الضعف التي كشفتها الحرب

ما كشفته هذه الأزمة بوضوح هو أن العراق لا يعاني من ضعف إنتاج النفط، بل من محدودية طرق تصديره. وهذه نقطة ضعف استراتيجية. فالدول التي تعتمد على مورد رئيسي تحتاج إلى تعدد طرق وصوله إلى الأسواق، لأن الاعتماد على مسار محدود يعني أن أي أزمة إقليمية قد تتحول فوراً إلى أزمة داخلية. وهذا ما يجعل من الضروري التعامل مع مشاريع الأنابيب بوصفها مشاريع أمن وطني، لا مشاريع بنى تحتية فقط. 

تنويع المنافذ… سياسة سيادية لا خياراً اقتصادياً 

العراق بحاجة اليوم إلى التفكير بمنطق مختلف:

ليس كيف يزيد إنتاجه فقط،

بل كيف يؤمّن طرق تصديره. وهذا يتطلب تسريع العمل على مشاريع استراتيجية، مثل: 

  • مد خطوط تصدير نحو الموانئ السورية عندما تسمح الظروف
  • تفعيل مشروع الأنبوب العراقي – الأردني باتجاه العقبة
  • دراسة خيارات الربط مع الموانئ السعودية لتوسيع الخيارات الاستراتيجية
  • توسيع الطاقة التصديرية عبر تركيا
  • تطوير البنية التحتية في الجنوب لتقليل مخاطر الاختناق

 فالدول المستقرة اقتصادياً ليست تلك التي تنتج كثيراً فقط، بل التي تملك بدائل كثيرة عندما تتعطل الطرق التقليدية.

 التفكير بمنطق الدولة… لا بمنطق رد الفعل

المشكلة في العراق ليست في غياب الرؤية، بل في بطء التنفيذ. كثير من هذه المشاريع مطروح منذ سنوات، لكن الأزمات السياسية كانت تؤجلها باستمرار. غير أن ما كشفته هذه الحرب هو أن التأجيل لم يعد بلا كلفة. بل أصبح مخاطرة استراتيجية. فالدول لا تبني سياساتها على أفضل السيناريوهات، بل على أسوأ الاحتمالات. وهذا ما يحتاجه العراق الآن:

أن ينتقل من إدارة الأزمات إلى الاستعداد لها. 

أمن الطاقة واستقلال القرار السياسي

هناك حقيقة استراتيجية تدركها كل الدول المنتجة للطاقة:

تنوع منافذ التصدير لا يحمي الاقتصاد فقط، بل يحمي القرار السياسي أيضاً. فالدولة التي تعتمد على منفذ تصدير محدود تصبح أكثر عرضة للضغوط، لأن اقتصادها يمكن أن يتحول إلى نقطة ضغط سياسية في أوقات الأزمات. أما الدولة التي تمتلك بدائل متعددة، فإنها تملك هامش حركة أوسع، وتكون أقل عرضة للابتزاز السياسي أو الضغوط الإقليمية. ومن هنا فإن تنويع منافذ تصدير النفط العراقي يجب أن يُفهم كجزء من سياسة حماية القرار الوطني، لا فقط كجزء من سياسة تطوير القطاع النفطي. فاستقلال القرار السياسي لا يُبنى بالشعارات،

بل بالبنية الاقتصادية التي تحميه.

 الخلاصة

العراق لا يستطيع تغيير موقعه الجغرافي،

لكنه يستطيع تقليل كلفة هذا الموقع. ولا يستطيع منع الأزمات الإقليمية،

لكنه يستطيع منع تحولها إلى أزمات داخلية. وقد لا يملك العراق ترف الخيارات المثالية،

لكنه يملك خياراً استراتيجياً واضحاً:

 أن يعتبر تنويع منافذ تصدير نفطه جزءاً من أمنه القومي، لا مجرد مشروع اقتصادي، لأن الدول لا تُحمى فقط بالجيوش، بل أيضاً بالقرارات الاستراتيجية الصحيحة.

سامي العسكري

كاتب عراقي مهتم بقضايا الدولة

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن