14 Oct
14Oct


بقلم: نصير العلي
ليس كل انخفاض في قيمة العملة إصلاحًا اقتصاديًا، وليس كل زيادة في الإيرادات الحكومية دليلًا على تحسن الاقتصاد. فبين أن تحصل الدولة على دنانير أكثر مقابل الدولار، وأن يصبح اقتصادها أكثر إنتاجًا وقدرةً على المنافسة، مسافة لا تقطعها قرارات سعر الصرف وحدها.


تقوم إحدى الفرضيات الاقتصادية المعروفة، شرط مارشال–ليرنر، على أن انخفاض قيمة العملة يمكن أن يحسّن الميزان التجاري إذا كانت استجابة الصادرات للطلب الخارجي، واستجابة الواردات لتغير الأسعار، كافية لتعويض ارتفاع كلفة المستوردات. 

وبعبارة أبسط: تصبح المنتجات المحلية أرخص نسبيًا للمشترين في الخارج، وتصبح السلع المستوردة أغلى على المستهلك المحلي، فيُفترض أن يتجه الطلب تدريجيًا نحو الإنتاج الوطني.

 لكن هذا الأثر ليس تلقائيًا؛ فقد تتدهور الموازين التجارية في الأجل القصير قبل أن تظهر أي مكاسب، فيما يُعرف بمنحنى. 


هنا تبرز خصوصية العراق.

 فالمرض الهولندي لا يُعالج بمجرد خفض قيمة الدينار، بل بمعالجة اختلال هيكلي جعل النفط المصدر الرئيس للعملة الأجنبية، فيما يعتمد السوق المحلي بدرجة كبيرة على الاستيراد، ويظل الإنتاج القابل للتصدير محدودًا. ووفق دراسة لصندوق النقد الدولي، لم تتجاوز الصادرات غير النفطية نصف بالمئة من إجمالي صادرات العراق في البيانات التي تناولتها الدراسة، رغم أن القطاع غير النفطي يمثل نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي. 

وهذه مفارقة تكشف حجم الفجوة بين النشاط الاقتصادي المحلي والقدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية.


أما تعديل سعر الصرف في تشرين الأول 2026، برفع السعر المعتمد للدولار من نحو 1,320 إلى 1,520 دينارًا، فيتيح للحكومة الحصول على دنانير أكثر مقابل كل دولار من الإيرادات النفطية، لكنه يرفع في المقابل كلفة الاستيراد ويضغط على القوة الشرائية للمواطن. 

لذلك، فإن نجاح القرار لا يُقاس بما يضيفه إلى الإيرادات الاسمية وحدها، بل بما إذا كان سيُطلق مسارًا إنتاجيًا يقلل الاعتماد على الخارج أم سيكتفي بنقل جانب من كلفة الأزمة إلى الأسر العراقية.


 ولكي يتحول خفض قيمة الدينار من إجراء مالي إلى فرصة إصلاح اقتصادي، لا بد من أربعة شروط أساسية:
أولًا: تحويل ميزة السعر إلى ميزة إنتاج. عبر دعم الزراعة والصناعة الوطنية، وتوفير التمويل والتكنولوجيا والحماية التنافسية المدروسة، لزيادة الإنتاج تدريجيًا نحو سد حاجة السوق المحلية، ثم التوسع في التصدير. 

فرخص المنتج لا يصنع صادرات ما لم تتوافر الجودة والكمية والاستمرارية.
ثانيًا: إعادة بناء الاقتصاد على الإنتاج لا على الرواتب وحدها.

 إذ لا يمكن أن تبقى عجلة السوق معتمدة أساسًا على الإنفاق الحكومي والرواتب، فيما يتجه جزء كبير من الطلب إلى السلع المستوردة. المطلوب توسيع فرص العمل في القطاعات المنتجة، وتحفيز الاستثمار الخاص، وربط الإنفاق العام بأهداف إنتاجية قابلة للقياس.


ثالثًا: معالجة كلفة الإنتاج قبل مطالبة المنتج المحلي بالمنافسة. فلا يمكن لمصنع أو مشروع زراعي أن يستفيد من انخفاض قيمة العملة إذا كان يعاني انقطاع الكهرباء، وارتفاع كلفة النقل، وضعف البنية التحتية، وتعقيدات التمويل والإجراءات. إن إصلاح الطاقة والنقل والموانئ والتمويل ليس ملفًا خدميًا منفصلًا، بل شرط مباشر لنجاح السياسة النقدية والإنتاجية.


رابعًا: تقليص الفجوة بين السعر الرسمي للدولار وسعر السوق الموازية. فكلما اتسعت الفجوة، زادت اضطرابات التسعير وتكاليف التحويل ومخاطر الاستيراد، وقد تنتقل هذه الأعباء إلى المستهلك. ويتطلب ذلك توسيع الوصول المشروع والشفاف إلى العملة الأجنبية، وتبسيط التحويلات التجارية، وتشديد الرقابة على التلاعب والاحتكار، بدل الاكتفاء بإعلان سعر رسمي لا يعكس كلفة الحصول الفعلية على الدولار لدى جميع المتعاملين.


إن خفض قيمة الدينار قد يمنح الموازنة متنفسًا ماليًا، لكنه لا يخلق مصنعًا، ولا يزرع أرضًا، ولا يصلح شبكة كهرباء، ولا يفتح سوقًا تصديرية بمفرده. بل إن دراسة اقتصادية عراقية تناولت الفترة 1980–2021 وجدت أن استجابة الواردات لسعر الصرف كانت محدودة، وأن مجموع مرونتي الصادرات والواردات بلغ في أقصى تقدير 0.53 في الأجل الطويل، بما يشير إلى أن شروط مارشال–ليرنر لم تكن متحققة وفق نتائجها. وهذه نتيجة بحثية تاريخية لا حكم نهائي على المستقبل، لكنها تحذر من المراهنة على سعر الصرف دون إصلاح بنية الإنتاج والتجارة.


الخلاصة: لا يُقاس نجاح الحكومة بكم دينارًا تجنيه من الدولار، بل بكم سلعة تنتج، وكم فرصة عمل تخلق، وكم دولارًا توفره عبر تقليل الاستيراد وزيادة الصادرات غير النفطية. فإذا رافق تعديل سعر الصرف برنامجٌ ملزم للإنتاج والإصلاح الخدمي والانضباط المالي، فقد يتحول إلى جزء من علاج الاقتصاد. أما إذا بقي إجراءً منفردًا، فإن الخطر هو أن يدفع المواطن كلفة التعديل، فيما تظل أسباب المرض الهولندي قائمة.


فالمعادلة الحقيقية ليست خفض قيمة الدينار فحسب، بل رفع قيمة الاقتصاد العراقي نفسه.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن