منتصر صباح الحسناوي
في واقعنا السياسي والاجتماعي، توجد مفارقة تستحق التأمل: القيادات تختلف، تتنافس، تتقاطع مصالحها، لكنها تجلس إلى الطاولة ذاتها وتُبقي خطوط الحوار مفتوحة وتدير خلافها ضمن حسابات الواقع.
في المقابل، يتجه جزء من الجمهور إلى اصطفافات حادّة وصراع يتحول إلى إلغاء وقطيعة.
قد يبدو المشهد للوهلة الأولى وكأنّ القاعدة أكثر تطرفاً من القمة، غير أنّ القراءة الأعمق تكشف مساراً أكثر تعقيداً، إذ لا ينشأ هذا التشدد من فراغ ولا يتشكل بمعزلٍ عن الخطاب الصادر من مواقع التأثير.
في أحيانٍ كثيرة لا تكون الدعوة إلى الإلغاء صريحة ولا يكون التحريض مباشراً.
تكفي الإشارة أو النبرة أو توصيفٌ مختزل للخصم أو المختلف، حتى تبدأ كرة الثلج بالتدحرج.ما يصدر من القمة كتوصيفٍ سياسي أو خطاب يغادر منصةً ويتجاوز حروفَ قائله ليدخل فضاءً واسعاً من التأويل، ويتضاعف عبر المنصّات الرقمية، ويتغذى على الانفعال، فيُستقبل في القاعدة كمعيارٍ أخلاقيٍ فيه جميع أنواع المؤامرات والشخصنة، عندها تكون كرة الثلج قد جمعت بطريقها ما يلّوث البياض إن كان كذلك أساساً.
بهذا المعنى، لا يمكن إعفاء القمم من مسؤولية ما يتشكّل في القواعد.
غير أنّ الصورة لا تكتمل عند هذا الحد.
عندما يتضخم الخطاب داخل الجمهور ويتحول إلى رأيٍ عام حاد، تبدأ مرحلة أخرى من التأثير.فالرأي العام في زمن المنصّات يملك قوة ضغط فعلية.ومع تراكم التفاعل، يتشكل مزاجٌ جمعيٌ له صوته وإيقاعه، ويصبح تجاهله مخاطرة سياسية.
وهنا تنقلب المعادلة، الإشارة التي بدأت من الأعلى، وعادت متضخمة من الأسفل، تتحول إلى موجةٍ ضاغطة تؤثر في صانع القرار ذاته.
بهذا تتشكل دائرة مغلقة:خطاب من القمة، تضخيم في القاعدة، رأي عام مشحون، ضغط يعود إلى القمة، ثم قرار يتأثر بما تشكّل.
في هذه الدائرة يضيع الحد الفاصل بين من يقود ومن يُقاد.ويغدو السؤال الحقيقي: هل ما زالت السياسة
تُدار بعقلٍ يزن النتائج، أم أنها باتت تتفاعل مع موجاتٍ عاطفية وردات فعلٍ تتسارع إيقاعاتها؟
عندما يتحول الخطاب إلى شرارة في بيئة متوترة، تصبح المسؤولية مضاعفة: مسؤولية القمة في اختيار كلماتها، ومسؤولية القاعدة في ضبط اندفاعها، ومسؤولية النخب في إعادة المعنى إلى سياقه قبل أن يتحول إلى شعارٍ صفريّ يُلغي المساحات الرمادية.
إن أخطر ما في الإلغاء المؤدلج أنه يتسلل إلى صناعة القرار، فيعيد تشكيل أولويات السياسة وفق موجات الانفعال بعيداً عن موازين الحكمة.
وهنا تصبح الحاجة ملحّة إلى استعادة فضيلة التعقل والقدرة على التمييز بين التنافس المشروع والعداء المطلق، وبين النقد المسؤول والتشهير، وبين الاختلاف الذي يُثري المجال العام والإلغاء الذي يُفرغه.
الوعي الجمعي قوة، لكنّه عندما ينفصل عن الاتّزان يتحول إلى ضغطٍ يدفع الجميع إلى زوايا أكثر ضيقاً.
في لحظةٍ تتداخل فيها السياسة بالهُوية، ويختلط فيها الرأي بالانفعال، يبدو أن التحدي الأكبر يكمن في ترشيد الأصوات دون إسكاتها، وإدارة الخلاف دون إلغائه.فالدولة تحتاج عقلاً يعرف أنّ كلَّ كلمةٍ قد تبدأ إشارة… وقد تنتهي رأياً عاماً يصعب الرجوع عنه.