بقلم: د. محمد مرعي الخزاعي
أستاذ العلاقات الدولية
المقدمة: عندما تتوارى المؤسسة لحساب الفرد شهدت الساحة الدولية خلال الأعوام الأخيرة نمطاً غير مسبوق في إدارة الشؤون الخارجية للدول الكبرى؛ نمطاً أزاح الأطر المؤسسية الحاكمة والتقاليد الاستراتيجية الراسخة جانباً، ليحل محلها منطق "الصفقة الفردية" والمصلحة الشخصية الضيقة.
وتتجلى هذه الظاهرة بأوضح صورها في اتفاقية توريد الديزل الأخيرة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين. لم تكن هذه الاتفاقية مجرد إجراء تجاري عابر لتخفيف أزمة وقود طارئة، بل شكلت تجسيداً صارخاً لسيادة "عقدة الشخصانية" وطغيان السلوك التجاري الصرف على العقيدة السياسية للدولة العظمى.
إن قراءة عميقة لمسبقات هذه الصفقة وتداعياتها تكشف عن خلل بنيوي في عملية صنع القرار الخارجي الأمريكي، حيث تحولت الدبلوماسية من أداة لحماية الأمن القومي وحفظ التحالفات التاريخية، إلى حلبة لتحقيق المكاسب الانتخابية والحزبية الفورية. أولاً: صانع القرار بين منطق "الصفقة" ورؤية "الدولة" ترتكز أدبيات العلاقات الدولية ونظرية صنع القرار (Decision-Making Theory) على أن السياسة الخارجية للدول الديمقراطية تخضع لموازنات دقيقة بين أجهزة الأمن القومي، الخارجية، والمؤسسات التشريعية.
غير أن حالة دونالد ترامب تمثل قطيعة مع هذا المسار التقليدي؛ إذ ينظر إلى العلاقات الدولية من منظار خلفيته كرجل أعمال وبائع عقارات: كل شيء يخضع للتفاوض، والمقياس الوحيد للنجاح هو الربح السريع والمباشر (Transactional Politics).
في مقابل هذا الطرح، يبرز فلاديمير بوتين كقائد يتقن اقتناص الفرص الجيوسياسية (Political Realism).
لقد أدرك بوتين سريعاً الحجم الحرِج لأزمة الطاقة والوقود داخل الولايات المتحدة، وما تشكله من تهديد مباشر للرصيد الانتخابي لترامب وحزبه الجمهوري وسط تململ الشارع الأمريكي والمزارعين وشركات النقل.
ومن هنا، اقتنص الكريملين الفرصة الذهبية:
تقديم طوق نجاة مؤقت لاقتصاد واشنطن، مقابل ثمن باهظ يدفع من رصيد الردع الأمريكي ومصداقية عقوباته الدولية.
ثانياً: اتفاقية الديزل.. اختراق الحصار مقابل المكسب الانتخابي بموجب قرارات تنفيذية طارئة وتراخيص استثنائية صادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية، تدفق الديزل الروسي إلى الأسواق الأمريكية.
وفي حين صُوِّرت الاتفاقية داخل واشنطن كإنجاز حاسم لخفض أسعار المشتقات النفطية وتخفيف الأعباء عن المواطن الأمريكي، كانت الحقيقة على الطرف الآخر من العالم مختلفة تماماً. لقد نجح الكريملين عبر هذه الصفقة في تحقيق أهداف استراتيجية عجزت عنها أجهزته الدبلوماسية لسنوات:
1. كسر العزلة الاقتصادية: إيجاد منفذ رسمي وشرعي للمشتقات النفطية الروسية برعاية أمريكية مباشرة.
2. تفكيك جبهة العقوبات: تقويض المنظومة التي تقودها واشنطن بالأساس لمنع تمويل الآلة العسكرية الروسية.
3. تقويض الهيبة الاستراتيجية: إظهار الإدارة الأمريكية بمظهر المضحّي بقراراتها وحلفائها من أجل حل أزماتها الداخلية.
إن هذا التباين بين مكسب ترامب الفردي (امتصاص غضب قاعدته الانتخابية من مزارعين وسائقي شاحنات) ومكسب بوتين الجيوسياسي، يوضح مدى الاختلال في ميزان المصالح الناجم عن غياب الرؤية المؤسسية لدى صانع القرار الأمريكي.
ثالثاً: صدمة الحلفاء وتداعي المنظومة الغربية لم تكن أصداء هذه الصفقة أشد إيلاماً مما كانت عليه في كييف والعواصم الأوروبية. فبينما كانت الدول الأوروبية تتحمل كلفة اقتصادية باهظة وتضخماً غير مسبوق جراء فطام اقتصاداتها عن الطاقة الروسية التزاماً بالتوجهات الأمريكية، جاءت خطوة ترامب الانفرادية لتشكل "صدمة استراتيجية" للتحالف الغربي.
على الصعيد الأوكراني: شعرت القيادة الأوكرانية بتخلي واشنطن الضمني عن ثوابت الدعم مقابل اعتبارات سياسية داخلية، مما أضعف الموقف التفاوضي والميداني لكييف.
على الصعيد الأوروبي: تزعزعت الثقة في المظلة الأمريكية والالتزام الجيوسياسي لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وبات الحلفاء يتساءلون عن مدى موثوقية واشنطن كضامن أمني إذا ما تعارضت الالتزامات الدولية مع الأجندات الانتخابية لساكن البيت الأبيض.
رابعاً: آفاق المستقبل.. الحزب الجمهوري والاستقرار الاستراتيجي إن المدى الأبعد لهذه السياسات الفردية لا يقف عند حدود صفقة الديزل، بل يلقي بظلاله على المستقبل السياسي للحزب الجمهوري والمكانة الدولية للولايات المتحدة:
1. انزياح عقيدة الحزب الجمهوري: تحول الحزب تاريخياً من "حزب الصقور" المدافع عن قيم الهيمنة الأمريكية والمواجهة الصلبة للخصوم التقليديين، إلى تيّار "شعبي - براغماتي" يرى في السياسة الخارجية مجرد دفتر شيكات وصفقات قصيرة المدى.
2. لا استقرار القرارات (Executive Instability): تسبب طغيان المزاجية والشخصانية في خلق حالة من عدم التنبؤ بمستقبل التعهدات الأمريكية، مما يدفع الحلفاء مستقبلاً لتنويع تحالفاتهم والبحث عن بدائل أمنية واقتصادية مستقلة عن واشنطن.
الخاتمة:
درس في حدود الفردية في السياسة الدولية تظل اتفاقية الديزل بين ترامب وبوتين نموذجاً دراسياً شديد الأهمية في العلاقات الدولية المعاصرة؛ نموذجاً يبرهن على أن رهْن مصالح الدول الكبرى واستراتيجياتها بعقلية "رجل الأعمال" والحسابات الفردية الضيقة لا يؤدي فقط إلى إضعاف الحلفاء، بل يمنح الخصوم فرصاً مجانية لإعادة تشكيل النظام الدولي.
إن مستقبل القوة الأمريكية لا يتوقف فقط على حجم اقتصادها أو ترسّانتها العسكرية، بل على قدرة مؤسساتها على كبح جماح الشطط الفردي، وإعادة الاعتبار للمفهوم الشامل للأمن القومي الذي لا يُباع في سوق الصفقات العابرة.