حنان الكناني
في بادئ الأمر، استوقفني سؤال شعرت بحتمية التفكير في جواب منطقي وعقلاني له: هل تحتاج الشعوب فعلًا إلى اعترافات دولية وأممية لحتمية وجودها؟
فالاعتراف السياسي هو قبول دولة أو كيان أو حكومة كطرف شرعي في العلاقات الخارجية، ويختلف من حيث أشكاله؛ فالاعتراف ربما يكون باعتراف دولة بأخرى لأنها أصبحت كيانًا مستقلًا ذا سيادة، أو اعترافًا بوجود دولة مستقلة مع الاختلاف مع نظام الحكم في تلك الدولة، بمعنى الأشخاص القابضين على السلطة.
وخير مثال على ذلك أن كثيرًا من الدول تعترف بدولة أفغانستان، لكنها تختلف مع الحكومة التي تديرها. وأضعف أشكال الاعتراف هو الاعتراف الدبلوماسي، وهو اعتراف محدود يقتصر فقط على تبادل السفراء وفتح ممثليات للدول من أجل تسيير مصالحها.
فجوهر الاعتراف الدولي يلمسه المواطن في الدول منقوصة الاعتراف، التي تعتاش على المساعدات، ويكون شعبها شريدًا بين مدن محتلة ومخيمات ومنفى، تحت سلطة شرعية تمارس السلطة داخليًا في حدود غير مسيطر عليها، حيث تقدم ما تستطيع من خدمات التعليم والصحة والإدارة، باعتبارها دولًا “مع وقف التنفيذ”، ما يحولها إلى شعوب غير موجودة من وجهة النظر الدولية.
وتبرز لنا قضية الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية مثالًا، حيث يرى الصحراويون أنهم أمة، رغم عدم الاعتراف الكامل بهم من قبل الدول. وبعض الدول التي تعترف بهم تتراجع أحيانًا وتسحب اعترافها، كما حدث مع دولة مالي حديثًا.
فكثيرًا ما تسبق الهوية الوطنية والشعور بالانتماء والإيمان بالواقع الاعترافات الرسمية، من خلال أشكال عديدة يعبرون بها عن الحفاظ على أصالتهم وتراثهم، مثل الغناء والرقص واللهجة الحسانية، وكذلك أزيائهم التراثية التي ما زالوا يرتدونها رغم صيحات الموضة.
حيث تبقى الهوية الصحراوية تنتج ذاتها بطرق مختلفة، ليس فقط عبر حق الدفاع المسلح أو الخطابات السياسية الطويلة، وإنما من خلال جيل جديد اعتبر الفضاء الرقمي مساحة من أشكال التحرر، وتعويضًا عن التمثيل الدبلوماسي في كثير من المحافل الدولية التي تكون فيها دولتهم غير معترف بها، وذلك من أجل تقديم أنفسهم وشرح القضية وإعطائها الصدى والبعد السياسي اللازم، من خلال فرض وجودها رقميًا لكسر العزلة السياسية والتكتم الإعلامي، وتكوين أرشيف يوثق حياة المخيمات والمدن المحتلة والحياة اليومية في المنفى وأسباب اللجوء.
حيث إن عصر الإنترنت حطّم قيد العزلة جغرافيًا، وكسر محاولات إخفاء قضية معقدة تبحث عن مناصرين لها. قد لا تمتلك الشعوب مقعدًا في عضوية كاملة للأمم المتحدة، لكنها أحيانًا تنجح في امتلاك وطن داخل ذاكرة الأحرار