03 Jun
03Jun


* د. سيف الدين زمان الدراجي 

*باحث في شؤون السياسة الخارجية والأمن الدولي. عضو الأكاديمية الملكية البريطانية لدراسات الدفاع*


يشهد العراق مرحلة استراتيجية دقيقة تتجاوز المفهوم التقليدي للأمن القومي القائم على مواجهة التهديدات العسكرية المباشرة. فالتحدي الرئيسي الذي يواجه الدولة العراقية خلال السنوات المقبلة لا يتمثل في احتمال اندلاع حرب شاملة بقدر ما يتمثل في قدرتها على إدارة التوازنات الداخلية والخارجية، والحفاظ على سيادتها الوطنية، والتكيف مع بيئة إقليمية ودولية تشهد تحولات متسارعة وغير مسبوقة.لقد أصبح الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين مفهوماً متعدد الأبعاد يتداخل فيه الأمن العسكري مع الأمن الاقتصادي والأمن المجتمعي وأمن الطاقة والمياه والغذاء والأمن السيبراني والتكنولوجي. وفي هذا السياق، فإن جوهر التحدي العراقي لم يعد سؤال "كيف نحارب؟" بقدر ما أصبح سؤال "كيف نحكم؟" و"كيف ندير الدولة وسط بيئة إقليمية ودولية متغيرة؟".

إقليمياً، لا يزال العراق يقع في قلب تناقضات جيوسياسية معقدة. فالتنافس الأمريكي–الإيراني ما زال أحد أهم المحددات المؤثرة في البيئة الاستراتيجية العراقية، إلا أن عام 2026 كشف بوضوح حجم المخاطر التي يمكن أن تترتب على هذا الصراع. 

فقد أدت الحرب الأمريكية–الإيرانية التي اندلعت في 28 شباط 2026 إلى تداعيات أمنية واقتصادية واسعة النطاق على المنطقة، وأظهرت هشاشة منظومة الطاقة العالمية واعتماد العديد من الدول، ومنها العراق، على ممرات بحرية معرضة للاضطراب في أوقات الأزمات.

وأبرزت تلك الحرب حقيقة استراتيجية مهمة تتمثل في أن العراق قد يتأثر بصورة مباشرة بصراعات لا يكون طرفاً فيها، لكنه يتحمل جزءاً كبيراً من كلفها الاقتصادية والأمنية بحكم موقعه الجغرافي واعتماده على مسارات محددة للتجارة والطاقة.

 كما أظهرت التطورات المرتبطة بمضيق هرمز أن الأمن القومي العراقي لم يعد منفصلاً عن أمن الممرات البحرية الدولية، وأن أي اضطراب في الخليج العربي يمكن أن يتحول بسرعة إلى أزمة مالية واقتصادية داخلية.

وفي الوقت ذاته، تشهد المنطقة إعادة تشكيل تدريجية لخرائط النفوذ والتحالفات الاقتصادية والتجارية. فالدول لم تعد تتنافس فقط على النفوذ السياسي أو العسكري، بل على الممرات التجارية وسلاسل الإمداد ومراكز الطاقة والربط اللوجستي.

 ولهذا أصبحت الجغرافيا الاقتصادية أحد أهم عناصر القوة الوطنية في النظام الدولي المعاصر.

وتبرز العلاقة مع تركيا بوصفها إحدى أكثر العلاقات الاستراتيجية تعقيداً بالنسبة للعراق، إذ لم تعد تقتصر على ملفات الأمن الحدودي أو حزب العمال الكردستاني، بل امتدت إلى المياه والطاقة والتجارة والاستثمار والربط الإقليمي.

 كما أن التحولات الجارية في سوريا قد تعيد تشكيل جزء مهم من خرائط النقل والتجارة والطاقة في المشرق العربي خلال السنوات المقبلة.

وعلى الجبهة السورية، ما زالت التطورات السياسية والأمنية تحمل انعكاسات مباشرة على العراق، سواء فيما يتعلق بأمن الحدود أو عودة النشاط الإرهابي أو شبكات التهريب أو احتمالات النزوح الجماعي.

 كما أن أي استقرار مستقبلي في سوريا قد يفتح الباب أمام مشاريع اقتصادية وممرات تجارية جديدة تربط الخليج العربي وتركيا وأوروبا عبر الأراضي السورية، وهو ما يفرض على العراق قراءة دقيقة لهذه التحولات وعدم الاكتفاء بالنظر إليها من زاوية أمنية فقط.

وفي الداخل، ورغم النجاح الكبير في هزيمة تنظيم داعش عسكرياً ومنعه من السيطرة على الأراضي كما حدث عام 2014، فإن التحدي الأمني لم ينتهِ. فالمعركة الحقيقية تتمثل اليوم في منع إعادة إنتاج التطرف ومعالجة العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تسمح بظهور تهديدات جديدة بأشكال مختلفة. 

كما أن التطرف في العصر الرقمي لم يعد مرتبطاً فقط بالتنظيمات التقليدية، بل أصبح يتغذى على حملات التضليل المعلوماتي ومنصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة.كما أن استكمال بناء مؤسسات الدولة وتعزيز احتكارها لاستخدام القوة وفق القانون ما زال يمثل أحد أهم التحديات الوطنية.

 فنجاح الدولة في ترسيخ سيادة القانون وتطوير المؤسسات الأمنية والعسكرية وتعزيز التنسيق بينها سيبقى عاملاً أساسياً في ضمان الاستقرار طويل الأمد.ومن منظور أوسع، أصبح الاقتصاد يمثل أحد أهم مكونات الأمن القومي العراقي.

 فالنموذج الاقتصادي الريعي الذي اعتمد لعقود طويلة خلق تحديات هيكلية تتمثل في الاعتماد المفرط على النفط وتضخم القطاع العام وارتفاع فاتورة الرواتب والدعم الحكومي. ومع تزايد الضغوط المالية والديموغرافية، فإن أي اضطراب اقتصادي كبير قد يتحول إلى تحدٍ أمني واجتماعي مباشر.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل حقيقة أن أكثر من نصف سكان العراق من فئة الشباب، الأمر الذي يجعل ملفات التشغيل والتعليم والتنمية الاقتصادية مرتبطة بصورة مباشرة بالاستقرار الوطني والأمن المجتمعي. فالتجارب الدولية أثبتت أن الأزمات الاقتصادية الحادة قادرة على إنتاج اضطرابات أمنية وسياسية تفوق أحياناً تأثير التهديدات العسكرية التقليدية.

ولا تقل التحديات الجيو-اقتصادية أهمية عن التحديات الأمنية التقليدية.

 فالعراق يواجه اليوم تحولات إقليمية قد تؤثر بصورة مباشرة على موقعه الاستراتيجي في المنطقة. 

فقد برز خلال السنوات الأخيرة مشروع الممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC)، إلى جانب مبادرة I2U2، فضلاً عن مشاريع ربط تجاري ولوجستي متسارعة تسعى إلى ربط الخليج العربي بالبحر المتوسط والأسواق الأوروبية.

كما أن التحسن التدريجي في العلاقات بين عدد من دول المنطقة قد يفتح المجال أمام ممرات تجارية جديدة تربط السعودية والأردن وسوريا وتركيا بأوروبا، الأمر الذي قد يؤدي إلى ظهور مسارات بديلة للتجارة والاستثمار والطاقة تتجاوز العراق إذا لم ينجح في تسريع تنفيذ مشروع طريق التنمية وتحويله إلى مشروع استراتيجي متكامل.

إن الخطر لا يكمن في وجود هذه المشاريع بحد ذاتها، بل في احتمال تحول العراق إلى دولة تقع خارج شبكات الربط الإقليمي الجديدة. 

فالدول لا تفقد أهميتها فقط بسبب الحروب أو الأزمات السياسية، بل قد تفقد جزءاً من وزنها الجيوسياسي عندما تتجاوزها الممرات الاقتصادية وخطوط التجارة والطاقة الجديدة.

وفي السياق ذاته، يبرز أمن الطاقة بوصفه أحد أكثر ملفات الأمن القومي العراقي حساسية خلال العقد المقبل. فالعراق يعتمد بصورة شبه كاملة على تصدير نفطه عبر هرمز، وهو ما يجعل اقتصاده عرضة لأي اضطرابات أو مواجهات عسكرية قد تؤثر في حرية الملاحة أو حركة الطاقة في المنطقة.

وقد أثبتت تداعيات الحرب الأمريكية–الإيرانية عام 2026 وما رافقها من اضطرابات واسعة في حركة الملاحة وإغلاق أو تعطيل أجزاء مهمة من حركة النقل عبر مضيق هرمز أن الاعتماد على منفذ تصدير رئيسي واحد يمثل نقطة ضعف استراتيجية خطيرة. 

وأظهرت تلك الأزمة أن استمرار تدفق النفط العراقي لا يمكن أن يبقى رهناً بممر بحري واحد مهما بلغت أهميته.

ومن هذا المنطلق، فإن تنويع منافذ تصدير النفط والغاز لم يعد خياراً اقتصادياً أو مشروعاً مؤجلاً، بل أصبح ضرورة أمنية واستراتيجية. 

ويشمل ذلك إعادة إحياء خط الأنابيب العراقي–السوري وصولاً إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط، واستكمال مشروع أنبوب البصرة–العقبة عبر الأردن، وتطوير وتوسيع الطاقة التشغيلية لمسار جيهان التركي، فضلاً عن دراسة فرص الربط مع البنى التحتية الإقليمية للطاقة كلما كان ذلك منسجماً مع المصالح الوطنية العراقية.

كما ينبغي دراسة البدائل الإقليمية التي طورتها دول المنطقة خلال العقود الماضية لتجاوز مخاطر مضيق هرمز، ومنها خطوط الأنابيب الممتدة إلى ميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر، وغيرها من المشاريع التي صممت لضمان استمرارية تصدير الطاقة في حالات الطوارئ. 

فالأمن الطاقوي العراقي يجب أن يقوم على تعدد المنافذ لا على الاعتماد على مسار واحد.وعلى المستوى المؤسسي، يمتلك العراق اليوم عدداً من الوثائق الاستراتيجية المهمة، من بينها استراتيجية الأمن الوطني، واستراتيجية مكافحة الإرهاب 2026–2030، واستراتيجية إصلاح القطاع الأمني، واستراتيجية الوقاية من التطرف العنيف، واستراتيجية إدارة الأزمات والكوارث وحماية المدنيين. 

إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود هذه الوثائق، بل في قدرتها على العمل ضمن إطار وطني موحد ينسق بينها ويحولها إلى منظومة متكاملة لصناعة القرار الاستراتيجي.

كما أن نجاح أي استراتيجية يعتمد على العقول والمؤسسات التي تضعها وتنفذها. 

فالأمن القومي اليوم لم يعد ملفاً عسكرياً صرفاً، بل أصبح عملية مستمرة لفهم المخاطر واستشراف المستقبل وصياغة السياسات القادرة على التعامل مع بيئة سريعة التغير.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية عقيدة "الاشتباك المتوازن" التي بدأت تتبلور تدريجياً في السياسة الخارجية العراقية. 

فهذه العقيدة لا تقوم على الحياد السلبي ولا على الانحياز لأي محور إقليمي أو دولي، وإنما على الانخراط الفاعل مع مختلف الأطراف بما يحقق المصالح الوطنية العراقية ويحافظ على استقلالية القرار الوطني. 

وهي مقاربة تمنح العراق مساحة أوسع للمناورة الاستراتيجية وتساعده على تجنب التحول إلى ساحة صراع بين القوى المتنافسة.

وفي المحصلة، فإن الأمن القومي العراقي خلال العقد المقبل لن يُقاس بعدد القوات والأسلحة أو حجم التهديدات العسكرية فقط، بل بقدرة الدولة على إدارة المخاطر المركبة وتعزيز المرونة الوطنية وحماية موقع العراق ضمن خرائط التجارة والطاقة العالمية. 

فالدول لا تفقد أهميتها فقط عندما تُهزم عسكرياً، بل قد تفقدها أيضاً عندما تتجاوزها الممرات الاقتصادية وخطوط الطاقة الجديدة.

ولعل الخطر الاستراتيجي الأكبر الذي يواجه العراق في المستقبل ليس عودة الإرهاب أو اندلاع حرب تقليدية فحسب، بل احتمال تراجع أهميته الجيوسياسية إذا فشل في التحول إلى عقدة إقليمية للطاقة والتجارة والنقل. 

ولذلك فإن نجاح الحكومة المقبلة لن يقاس فقط بقدرتها على إدارة الملفات الأمنية اليومية، بل بقدرتها على حماية مكانة العراق في النظام الإقليمي الجديد وتحويل موقعه الجغرافي من ساحة للتنافس إلى منصة للتكامل الاقتصادي والتعاون الإقليمي. 

فالأمن القومي في نهاية المطاف ليس مجرد توازنات عسكرية أو هندسة جيوسياسية، بل مشروع وطني شامل يقوم على قوة الدولة وفاعلية مؤسساتها وتماسك مجتمعها وقدرتها على استشراف المستقبل وصناعته.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن