10 Oct
10Oct


منتصر صباح الحسناوي


أردد منذ سنوات عبارة "رأس الحكمة محبة الله"، على خلاف ما اعتدنا سماعه من أن "رأس الحكمة مخافة الله". وقد كتبت مقالاً سابقاً حول هذه الفكرة، انطلاقاً من سؤال ظل يرافقني عن طبيعة العلاقة بين الإنسان وخالقه، وأثر الخوف والمحبة في سلوكه ووعيه. 

وأعود اليوم إلى الموضوع بعد تأمل بعض الآراء التي تناولت العلاقة بينهما، وما تثيره من تساؤلات حول الطريق الذي يسلكه الإنسان نحو الحكمة، وما إذا كانت المحبة غايته وحدها أم بدايته أيضاً.


تعود عبارة "رأس الحكمة مخافة الله" إلى تراث ديني قديم، وردت بصيغ متقاربة في الأسفار، وحملت المخافة معاني الإجلال وإدراك العظمة والخوف من العقوبة، ثم اتسع حضورها في الخطاب الديني والتربوي عبر ثقافات متعددة.

 ومع انتقال هذه المفاهيم إلى الحياة اليومية أخذ الخوف في بعض الممارسات مساحة أوسع من معاني الخشية والإجلال وأصبحت العقوبة حاضرة في التربية الدينية أكثر من التأمل في الغايات الأخلاقية والروحية التي يفترض أن تقود إليها.


في كتابه "مخافة الله"، يقدم البابا شنودة الثالث تصوراً يقوم على تدرج العلاقة بالله من المخافة إلى المحبة، ويقول: "مخافة الله هي بدء الطريق، ونهايته هي المحبة".

 فالمخافة، وفق هذا التصور، تدفع الإنسان إلى الطاعة واجتناب الخطأ ثم تقوده الممارسة إلى إدراك قيمة الخير ومحبته مع استمرار الخشية بوصفها عاملاً يحفظ هذه العلاقة.

 وفي التراث الإسلامي، يتناول أبو حامد الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" المحبة باعتبارها من أرفع المقامات الروحية ويربط بلوغها بالمعرفة وتهذيب النفس ويمنح الخوف والرجاء دوراً في سلوك الإنسان وتربيته.

 وعلى اختلاف المعالجة لدى الرجلين، تحضر المحبة باعتبارها مرتبة متقدمة من النضج الروحي، فيما تتعدد الوسائل التي تهيئ الإنسان لبلوغها.


ويستوقفني في هذين التصورين موقع المحبة من بداية التجربة الإنسانية، ومدى ارتباط الوصول إليها بالمرور بمرحلة الخوف. 

فالإنسان يتعلم القيم بطرق متعددة، بعضها ينشأ من الالتزام والتجربة، وبعضها يتكون من الثقة والقدوة والمعرفة، وقد يكون الخوف رادعاً عن الظلم بينما يمنح الاقتناع بالعدل الإنسان دافعاً أعمق إلى الإنصاف، يستمر معه عندما تغيب الرقابة وتصبح مسؤوليته نابعة من ضميره.

 ومن هنا تبدو المحبة طريقاً ممكناً إلى الطاعة والمعرفة، مثلما يمكن أن تكون ثمرة لهما.


وأفهم محبة الله بأنها حالة من الوعي تتشكل بالتأمل والمعرفة وتتسع معها مسؤولية الإنسان تجاه نفسه والآخرين. وقد منحت التجربة الصوفية هذا المعنى حضوراً واسعاً عندما جعلت المحبة والشوق أساساً في التقرب إلى الله، وربطت التجربة الروحية بما يختبره الإنسان في داخله من تحول في نظرته إلى الوجود وفي هذه العلاقة تتبادل المعرفة والمحبة أثرهما؛ فكلما اتسع فهم الإنسان تعمقت محبته، وكلما ازداد تعلقه بما يحب اتسعت رغبته في معرفته.


ويفتح هذا التأمل مجالاً للتواضع المعرفي وهو ما تثيره أيضاً بعض المناقشات الفلسفية حول حدود اليقين الإنساني ومنها "اللاأدرية" التي تميز بين ما نعتقده وما نستطيع البرهنة عليه.

 وتختلف هذه المقاربة عن التجربة الإيمانية في منطلقاتها، لكنها تذكرنا بأهمية إدراك حدود المعرفة وبأن الأسئلة التي ترافق الإنسان في بحثه عن الحقيقة قد تمنح إيمانه فهماً أعمق، وتجعله أكثر قدرة على احترام تجارب الآخرين وقناعاتهم.


وتظهر أهمية هذه المسألة في التربية، إذ يتعرف الطفل في مراحل مبكرة إلى الممنوع والعقوبة ثم تتسع قدرته مع النضج على فهم الأسباب التي تجعل فعلاً ما صائباً أو خاطئاً.

 وكلما ارتبط الالتزام بفهم القيمة أصبح أكثر رسوخاً في الضمير وينطبق ذلك على العلاقة بالله، فالمحبة التي تقترن بالمعرفة والمسؤولية تنعكس على سلوك الإنسان، وتظهر في عدله ورحمته وقدرته على مراجعة نفسه، وفي احترامه لكرامة المختلف معه.


ومن هنا أجد أن العلاقة بين المخافة والمحبة أوسع من ترتيب إحداهما قبل الأخرى، فقد تقود الخشية بعض الناس إلى المحبة، فيما تنشأ لدى آخرين من الثقة والتأمل والشعور بالقرب من الله. وتبقى قيمة التجربة في أثرها على الإنسان، وفي مقدار ما تمنحه من وعي ومسؤولية واستعداد لفعل الخير. فالمحبة التي تستقر في الضمير تجعل الالتزام اختياراً واعياً وتمنح الإنسان سبباً أخلاقياً لمحاسبة نفسه قبل محاسبة الآخرين.


لهذا أعود إلى قناعتي بأن "رأس الحكمة محبة الله"، وأجد فيها تعبيراً عن العلاقة التي أطمح إليها مع خالقي، إذ تتسع المحبة للمعرفة وتصبح المسؤولية ثمرة للوعي ويغدو فعل الخير امتداداً لما يؤمن به الإنسان في داخله. 

وربما اختلفت بدايات الناس في رحلتهم الروحية لكن ما يستحق التأمل هو ما تتركه هذه الرحلة في إنسانيتهم وفي علاقتهم بمن يشاركونهم الحياة.
ولعل الحكمة تكمن في أن نفهم كيف يمكن لمحبة الله أن تجعلنا أكثر إنسانية.


ويبقى السؤال الذي أعود إليه دائماً: إذا كانت محبتنا لله لا تجعلنا أكثر رحمة بخلقه فما الذي فهمناه من هذه المحبة؟

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن