25 Oct
25Oct


د. إبراهيم بحر العلوم

ان القيام بدور الوساطة في منطقة الشرق الأوسط اصبح يمثل حاجة ماسة بسبب الصراعات المعقدة والمدمرة القائمة فيها والذي أدى الى تعثر او فشل اغلب مساعي الوساطة التي جرت خلال المدة السابقة. من خلال متابعة أدوار الوساطة التي تمت خلال المدة الأخيرة، يتضح ان هناك خلل في السلوك:  بعض القوى العدائية وبعض الدول الطامحة بتوسيع مجالاتها الحيوية،  لذا  لم تحقق الوساطة غاياتها فتصبح هناك حاجة لمراجعة الأطر التقليدية التي تحكم الوساطة والانتقال بها الى اطر جديدة ولعل اهم تلك الأطر او الاستراتيجات هو الاتي:

 اولاً: الاعتماد على مسارات الدبلوماسية غير الرسمية في الوساطة 

ولان منطقتنا ذات هيكل اجتماعي وبشري متعدد ومتنوع ومتداخل، فان ذلك يدفعنا الى ضرورة الاعتماد على هذا التنوع المتعدد والمتداخل للثقافات والاثنيات والأديان والمذاهب في تقريب وجهات النظر وفي حل الصراعات التي تجري في المنطقة، فالعراق بثقله الحضاري والإسلامي يمكن ان يؤثر في محيطه ولاسيما بما يمثله العراق في كون المرجعية الدينية العليا للشيعة في العالم هي في النجف الاشرف، كما لباقي الدول المؤثرة في المنطقة  بما تمتلكه من مكونات حضارية وارث حضاري وتاريخ حضاري مشترك ان يكون لها دورا في حل النزاعات وبناء السلام، بعد ان عجزت الوسائل الرسمية في تحقيق ذلك. 

ثانيا: العراق ودوره المستقبلي في الوساطة 

ان العراق بحكم موقعه الجغرافي، وتاريخه، وتنوعه المجتمعي، وعلاقاته المتعددة، وتجربته المباشرة مع الحروب والإرهاب والنزوح والانقسامات، ينظر إلى الوساطة باعتبارها مسؤولية سياسية وإنسانية مشتركة، لا مجرد أداة لإدارة الأزمات بعد وقوعها. فالسلام المستدام لا يبدأ عند توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير، من خلال بناء الثقة، وفتح قنوات الاتصال، ومعالجة أسباب التوتر، ومنع تحوّل الخلافات إلى نزاعات مسلحة. 

1- العراق جسراً للحوار الإقليمي

 يؤمن العراق بأن موقعه الجغرافي لا ينبغي أن يجعله ساحة لتنافس القوى، بل جسراً للتواصل والحوار والتعاون. فالعراق يقع عند تقاطع مصالح وتحديات إقليمية متعددة، ويرتبط بعلاقات تاريخية ومصالح مشتركة مع دول الجوار والمنطقة والمجتمع الدولي. ومن هنا، فإن بإمكانه أن يؤدي دوراً فاعلاً في تهيئة مساحات للحوار، خصوصاً بين الأطراف التي يصعب عليها التواصل المباشر أو التي تعاني من انعدام الثقة. 

وفي هذا السياق، يطرح العراق رؤيته للوساطة الإقليمية على أساس المبادئ الآتية: احترام سيادة الدول واستقلالها ووحدة أراضيها، رفض استخدام القوة أو التهديد بها في معالجة الخلافات، اعتماد الحوار المباشر وغير المباشر وسيلة لتسوية النزاعات، عدم فرض حلول خارجية لا تراعي خصوصية المجتمعات والدول، احترام مبدأ الملكية الوطنية والإقليمية لعمليات السلام.، التمسك بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

 إن العراق لا يسعى إلى احتكار دور الوساطة، ولا إلى منافسة الجهود الدولية أو الإقليمية القائمة، بل يطمح إلى أن يكون شريكاً مكملاً لها.

 فالوساطة الفاعلة لا تقوم على طرف واحد، وإنما على تكامل الأدوار بين الدول، والأمم المتحدة، والمنظمات الإقليمية، والمجتمع المدني، والخبراء والممارسين. ومن هذا المنطلق، يمكن للعراق أن يستضيف حوارات إقليمية دورية تتناول قضايا الأمن المشترك، وخفض التصعيد، ومكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، واللاجئين والنازحين، والطاقة، والمياه، والتغير المناخي. 

كما يمكنه أن يوفر مساحة للمسارات الرسمية وغير الرسمية، بما يسمح ببناء الثقة تدريجياً، حتى في الحالات التي لا تكون فيها التسويات السياسية الشاملة ممكنة في المدى القريب. 

2: إنشاء مركز اقليمي للوساطة وبناء السلام

 يقترح العراق دراسة إنشاء مركز اقليمي للوساطة وبناء السلام، يكون مؤسسة عابره للحدود الوطنية وذات امتداد إقليمي ودولي، يعمل بالتنسيق مع وزارات الخارجية للدول الاقليمية والجامعات ومراكز الدراسات ومنظمات المجتمع المدني، وبالشراكة مع الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والدول الصديقة. إن إنشاء مثل هذا المركز من شأنه أن ينقل الوساطة من المبادرات الشخصية أو الظرفية إلى عمل مؤسسي ذات طابع اقليمي.

 كما أنه سيتيح للدول أن يقدم إسهاماً قائماً على المعرفة والخبرة، لا على الاعتبارات السياسية وحدها. 

3: دبلوماسية المياه والمناخ بوصفها مجالاً للوقاية من النزاعات

 يرى العراق أن قضايا المياه والتغير المناخي لم تعد مسائل بيئية أو فنية فحسب، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالأمن والاستقرار والتنمية وحقوق الإنسان. فشح المياه، وتراجع الإيرادات المائية، والتصحر، وارتفاع درجات الحرارة، والملوحة، وتدهور الأراضي الزراعية، كلها عوامل يمكن أن تؤدي إلى تفاقم الفقر والبطالة والنزوح والتوترات الاجتماعية. 

ومن هنا، يدعو العراق إلى الانتقال من إدارة الأزمات المائية إلى دبلوماسية مائية وقائية تقوم على التعاون وتبادل المعلومات والمصالح المشتركة. 

ويمكن أن تشمل هذه الدبلوماسية: إنشاء آليات منتظمة للحوار بين الدول المتشاطئة، تبادل البيانات المتعلقة بالمياه والمناخ بصورة شفافة، تطوير مشاريع مشتركة في إدارة الأحواض المائية، اعتماد الاستخدام المنصف والمعقول للموارد المائية، التعاون في مجالات الري الحديث وتقليل الهدر، مكافحة التصحر وحماية الأراضي الزراعية، ربط الأمن المائي بالأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي وإشراك المجتمعات المحلية والخبراء والمؤسسات البحثية في إدارة الموارد.

 ويؤكد العراق أن التعاون في مجال المياه والتغيرات المناخية والبيئة يمكن أن يتحول من مصدر للتوتر إلى مدخل لبناء الثقة.

 فالمشاريع المشتركة في إدارة المياه والطاقة والبيئة قد تفتح قنوات للحوار حتى في الظروف التي تكون فيها العلاقات السياسية متوترة، التي قد تنشأ أيضاً نتيجة التنافس على الموارد، والنزوح المناخي، وتدهور سبل العيش. 

4: مبادرات عراقية عملية لتعزيز الوساطة والسلام

 يقترح العراق في هذا السياق، مجموعة من المبادرات العملية التي يمكن تطويرها بالتعاون مع الشركاء الدوليين والإقليميين: 

 أ. منتدى بغداد السنوي للوساطة والسلام الإقليمي

 يكون منصة دائمة تجمع ممثلي الدول، والمنظمات الدولية والإقليمية، والوسطاء، والخبراء، ومنظمات المجتمع المدني، لمناقشة النزاعات القائمة ومخاطر التصعيد والفرص المتاحة للسلام. ولا يقتصر المنتدى على إصدار البيانات، بل يهدف إلى: تطوير مبادرات وساطة قابلة للتنفيذ.، ربط صناع القرار بالخبراء والممارسين.، بحث الأزمات قبل تفاقمها وتعزيز التنسيق بين المسارات السياسية والإنسانية والتنموية.

 وتكون احد مفاصل هذا المنتدى الاهتمام بإنشاء شبكة للوسطاء والخبراء في المنطقة، تكون مهمتها تبادل التجارب، وتوفير الدعم الفني، وتطوير أدلة عملية للوساطة، وإنشاء قوائم بالخبراء القادرين على التدخل في النزاعات المحلية والإقليمية. 

ب. مبادرة بغداد للإنذار المبكر وإدارة المخاطر

 تهدف هذه المبادرة إلى رصد مؤشرات التصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والبيئي، مثل: تصاعد خطاب الكراهية، التوترات حول الحدود والموارد، النزوح المتزايد.، تراجع الخدمات وفرص العمل، التدهور البيئي والمائي، انتشار خطاب التحريض والتعبئة العنيفة. 

ويجب أن ترتبط آليات الإنذار المبكر بإجراءات مبكرة، لأن قيمة الإنذار لا تكمن في تشخيص الخطر فقط، بل في تحويل المعلومات إلى تحرك دبلوماسي وإنساني وتنموي قبل اندلاع النزاع. 

ج. أكاديمية عراقية للوساطة والدبلوماسية الوقائية

 يمكن إنشاء أكاديمية أو برنامج إقليمي متخصص لتدريب الدبلوماسيين والوسطاء والعاملين في المنظمات الدولية والمجتمع المدني على: مهارات التفاوض، إدارة الحوار، تحليل النزاعات، الوساطة متعددة الأطراف، حماية المدنيين، التعامل مع قضايا المياه والمناخ، إشراك النساء والشباب. وتصميم تنفيذ اتفاقات السلام. 

د. صندوق إقليمي لدعم بناء السلام

 يقترح العراق إنشاء صندوق يوجه موارده إلى مشاريع عملية في المناطق المتأثرة بالنزاعات، بما في ذلك: المصالحة المحلية، إعادة الإدماج، دعم عودة النازحين.، تمكين النساء والشباب، إعادة تأهيل الخدمات، مكافحة خطاب الكراهية، بناء مشاريع اقتصادية مشتركة. فلا يمكن مطالبة المجتمعات بالسلام في ظل الفقر والحرمان وانعدام الأفق. ولذلك، فإن الاستثمار في السلام يجب أن يكون استثماراً في التنمية والعدالة والكرامة الإنسانية. 

٥: متطلبات بناء المصداقية العراقية في مجال الوساطة

يدرك العراق أن امتلاك الرغبة في الوساطة لا يكفي وحده، فالمصداقية تُبنى من خلال الممارسة والالتزام. ولذلك، فإن الدور العراقي يتطلب مجموعة من الأسس: اعتماد سياسة خارجية متوازنة ومستقلة، توحيد الخطاب السياسي الخارجي العراقي. بمعنى يكون خطاب مؤسسات ودولة لا خطاب اشخاص، الحفاظ على علاقات منفتحة مع مختلف الأطراف، الالتزام بالحياد وعدم الانحياز في مسارات الوساطة، احترام سرية المفاوضات وحماية الثقة بين الأطراف، الاستناد إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، توفير كوادر متخصصة ومؤسسات مهنية، ضمان اتساق الخطاب السياسي مع الممارسة العملية، تعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة، إشراك البرلمان والجامعات ومراكز الفكر والمجتمع المدني، تقييم نتائج الوساطة بصورة دورية وشفافة.، ضرورة اعتماد المنهج الوظيفي في توجهات العراق الخلرجية إقليميا ودولياً، ان ينظر العراق الى الاخر الإقليمي والدولي وفق مصالحه السيادية. كما أن الوساطة لا ينبغي أن تكون بديلاً عن معالجة الاختلالات الداخلية، بل إن قوة العراق كوسيط إقليمي ترتبط بقدرته على ترسيخ الاستقرار، وسيادة القانون، والحكم الرشيد، واحترام التنوع، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.

 17 تشرين الأول 2026 بغداد

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن