أ.م. د. محمد مرعي الخزاعي
في فجر الثالث من يناير 2026، استيقظ العالم على وقع انفجارات لم تكن في كراكاس وحدها، بل في صلب النظام الدولي؛ "غزو جراحي" خاطف قادته واشنطن، انتهى باقتياد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مكبلاً نحو نيويورك.
لم تكن هذه مجرد عملية إسقاط نظام، بل إعلاناً صريحاً عن موت ميثاق الأمم المتحدة وتغليب الأطماع الأمريكية على أية اعتبارات قانونية أو أخلاقية.
لعبة "ستائر الدخان" ومناورات التضليل لقد أثبتت هذه العملية أن واشنطن بارعة في فن "التضليل الاستراتيجي"؛ فاللغط الإعلامي المتعمد حول "صحة الرئيس ترامب" وقطع اتصالات الوكالات الفيدرالية لم يكن إلا ستار دخان صرف أنظار العالم عن أضخم حشد عسكري في الكاريبي.
وبينما كان المحللون منشغلين بتفسير صمت الرئيس، كانت "الدلتا فورس" تضع اللمسات الأخيرة على اختطاف السيادة الفنزويلية، في تجسيد حي لسياسة "التاجر" الذي يشغل خصمه بالتوافه بينما يستولي على الأصول بالقوة.
تغليب الأطماع على ميثاق الأمم المتحدة تحت شعار "مكافحة المخدرات" المثير للجدل، تغلغلت الأطماع الأمريكية للسيطرة على أكبر احتياطي نفطي في العالم.
إن "الديمقراطية الأمريكية" باتت كذبة سمجة تُستخدم كغطاء لتمرير أجندات الهيمنة؛ فكيف لدولة تنسحب من اتفاقية "روما" وترفض إدراج "الإرهاب" ضمن اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية أن تدعي تطبيق القانون؟
إن رفض واشنطن للمحكمة الدولية نابع من خشيتها أن يُحاكم جنودها وقادتها على جرائمهم، لتظل هي الوحيدة التي تملك حق "تعريف الإرهاب" وتصنيف الزعماء وفقاً لمصالحها، بعيداً عن رقابة الأمم المتحدة التي باتت تحتضر تحت أقدام القطب الواحد. الاصطفاف الدولي: صراع "التسلط" و"التحرر" لقد أحدث زلزال كراكاس انقساماً عالمياً حاداً يعيد للذاكرة أجواء الحرب الباردة:
* جبهة الرفض:
وصفت روسيا العملية بأنها "إرهاب دولة" وعمل عدواني صريح، بينما أعربت الصين عن صدمتها من الانتهاك الصارخ للسيادة، محذرة من تهديد استثمارات الكاريبي.
* جبهة التأييد والمصالح:
سارعت إسرائيل للترحيب بسقوط مادورو، واصفة إياه بـ"رأس الحربة للإرهاب"، بينما انقسمت دول الكاريبي بين مندّد بالبلطجة العسكرية كالبرازيل وكولومبيا، ومؤيد كالأرجنتين (مايلي) الذي يرى في القوة الأمريكية طريقاً لـ"الحرية".
السيناريوهات القادمة: هل نحن أمام نظام عالمي جديد؟ نحن الآن أمام سيناريوهات شديدة الخطورة؛ فإما أن ترد روسيا بتحريك قطعها البحرية في الكاريبي لخلق "أزمة صواريخ كوبية" جديدة، أو تنجر المنطقة لحرب استنزاف بالوكالة.
لكن الأهم من ذلك هو أن "زلزال كراكاس" قد يكون المحرك الأقوى لاصطفاف دولي جديد؛ جبهة تجمع قوى "التسلط" التي تقودها واشنطن ببلطجتها العسكرية، في مواجهة جبهة "تحرر" صاعدة تضم القوى المتضررة من الأحادية الأمريكية، والتي ترى في سقوط مادورو جرس إنذار بأن "الدور قادم على الجميع".
الخلاصة إن اعتقال مادورو ليس نهاية المطاف، بل هو اختبار لمستقبل الكرامة الدولية. إذا مرّ هذا "العدوان" دون رادع، فإننا نعلن رسمياً عصر "الاستعمار الجديد" بمسوغات قانونية مزيفة.
لقد سقط القناع عن الديمقراطية الأمريكية، ولم يبقَ إلا وجه الأطماع النفطية، ليبقى السؤال: هل ستنجح قوى التحرر العالمي في صياغة نظام يحمي السيادة، أم أننا دخلنا نفقاً مظلماً يحكمه "الكاوبوي" من مار-أيه-لاجو؟