منتصر صباح الحسناوي
يوماً ما، وفي جلسةٍ جمعت أصدقاءً يختلفون في قراءاتهم السياسية ويتآلفون في تفاصيل حياتهم اليومية، انزلق الحديث نحو تقسيمٍ بدا عابراً في لفظه، عميقاً في دلالته.
قال أحدهم إنّ الرصافة شيعية والكرخ سنية، وكأنّ النهر الذي يشطر بغداد صار فاصلاً لذلك.
قاطعته مبتسماً وقلت: نعم، أكيّد، بدلالة وجود الإمام الكاظم في الكرخ، والإمام أبو حنيفة والشيخ عبد القادر الگيلاني في الرصافة. ساد صمتٌ قصير ، مع ابتسامةٍ من الجميع .
ثم بدأ السؤال يكبر: بأي حقٍّ نقسّم الجغرافية؟ كيف نفصل الدم عن امتداداته وتفاصيلنا وكل مشتركاتنا والهوية عن تشابكاتها؟ متى تحوّلت الضفاف إلى عناوين مذهبية والمكان إلى توصيفٍ طائفي؟
كان بتأكيد الفكرة كشف هشاشتها، فالمقامات الدينية، مهما عظمت، لم تُنشئ مدناً مغلقة، ولم تُنتج خرائط صافية.
بغداد قامت على التداخل وتغذّت من الحركة وعاشت قروناً من المصاهرة والعلم والتجارة العابرة للضفاف الجامعة لها.
وفي خضمّ النقاش، رويت لهم حكاية لقاءٍ جمعني بأحد شيوخ عقرة وهو كردي راسخٌ في بيئته، ثم أخبرني أنّ جذوره تمتد إلى الدليم.
لم تكن مفاجأةً بقدر ما كانت تذكيراً بأن كثيراً من العوائل التي نعرفها في النجف وكربلاء وبابل هي امتداد للدليم أيضاً، كما أنّ عشائر الجنوب والشمال تتقاطع في الأنساب والمصاهرات.
هناك عشرات الأمثلة التي يكشفها أي بحثٍ بسيطٍ في خرائط العشائر والهجرات الداخلية.
إنّ العراق متكوّنٌ من طبقاتٍ متراكبةٍ من التفاعل الاجتماعي لا من كتلٍ معزولة ، التصاهر ، الهجرات والتنقل الوظيفي والتحولات الزراعية والانتقال بين الحواضر العلمية، كلّها صنعت شبكةً معقدةً من العلاقات تتجاوز الحدود الإدارية والمذهبية.
بمجرد النظر إلى سجلات الأنساب أو تاريخ الأسواق أو خرائط المدارس الدينية، نكتشف أنّ التداخل هو القاعدة.
ومع ذلك، برزت في العقود الأخيرة نزعةٌ إلى توصيف المدن بلونٍ واحد، بسبب الأحداث والصدمات الأمنية التي مرّ بها العراق والمدعومة بخطابٍ سياسيٍّ وإعلاميٍّ تعلّم لغة التصنيف السريع.
في أوقات التوتر، يبحث الذهن عن عناوين مختصرة، فيُقال إنّ هذه المدينة تُحسب على هذا المكوّن وتلك تُنسب إلى ذاك.
ومع التكرار، تتحوّل العبارة إلى قناعةٍ ذهنية حتى وإن ناقضتها الوقائع، فبدت وكأنّها تعكس انقساماً دائماً. غير أنّ التحولات الديموغرافية الطارئة التي نتجت عن تلك الأحداث العابرة لا تُلغي التاريخ الاجتماعي الممتد، ولا تُعيد تعريف المدينة من جذورها.
وبالواقعية أيضاً هناك عاملٌ نفسيّ نشأ في بيئاتٍ مضطربة، يميل فيه الإنسان إلى تعريف ذاته بوضوحٍ أكبر، فيبحث عن إطارٍ صلبٍ يمنحه شعوراً بالأمان. وعندما يُسقط هذا الإطار على الجغرافية، يتحول المكان إلى رمزٍ للانتماء الحصري، هنا يبدأ الاختزال وتغيب الصورة المركّبة.
غير أنّ القراءة المتأنية تكشف أنّ المدن العراقية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، تحمل البصمة نفسها: تنوّعٌ في النسل وتشابكٌ في العلاقات وتجاورٌ في المهن والأسواق. لا
تكاد تخلو مدينةٌ من عائلةٍ امتدت جذورها إلى محافظةٍ أخرى أو من عشيرةٍ توزعت بيوتها على أكثر من جغرافية.
إنّ تقسيم المكان على أساسٍ مذهبيٍّ قراءةٌ سطحيةٌ لتاريخٍ عميق، هو تفسيرٌ هَّشٌ لواقعٍ اجتماعيٍّ أكثر تعقيداً. فالمدن لا تُختزل بضفةٍ ولا تُعرَّف بمقامٍ واحد ولا تُختصر في لحظةٍ تاريخيةٍ محددة.
السؤال الذي بدأ في تلك الجلسة ما زال قائماً: هل صدّقنا الكذبة التي صُدّرت لنا؟
ربما صدّقها بعضنا عندما كررها دون تمحيص، وربما آن الأوان لإعادة النظر في طريقة قراءة المكان.فالجغرافية إطارٌ للتفاعل الإنساني، وإن احتوت هويات متعددة لكنها تتراكب مع بعضها معززة للانتماء الواحد، بأننا أبناء العراق، وعندما نستعيد وعينا بتاريخ مدننا، نكتشف أنّ النهر الذي يفصل الضفتين لم يكن يوماً خط تماس، وإنما مجرى حياةٍ واحدةٍ تمضي في اتجاهين وتصبّ في وطنٍ واحد.