بقلم : أ.م. د محمد مرعي جاسم
مقدمة: عالم على كف عفريت لم تعد السياسة الدولية مجرد رقعة شطرنج يحكمها المنطق الدبلوماسي، بل تحولت في ظل النهج "الترامبي" إلى ساحة للمقامرة الكبرى.
نحن لا نتحدث هنا عن مجرد خلافات حزبية، بل عن نهج "الغطرسة السياسية" التي تضرب بعرض الحائط استقرار المجتمعات البشرية، وتستبدل لغة الحوار بلغة الابتزاز الاقتصادي، مما يضع البشرية أمام سؤال وجودي: هل نحن بصدد مشهد النهاية للنظام العالمي كما نعرفه؟
أولاً: الإرهاب الاقتصادي (حروب الرسوم وتجويع الشعوب) من خلال فرض الضرائب الجمركية المرتفعة، لا تعاقب واشنطن الدول الأخرى فحسب، بل تضع النظام التجاري العالمي في حالة من "الشلل".
* الأرقام تتحدث:
تشير تقارير منظمة التجارة العالمية (WTO) وخبراء الاقتصاد إلى أن فرض رسوم جمركية بنسبة تصل إلى 10% أو 20% على كافة الواردات، كما يُلوح به، قد يؤدي إلى انكماش في التجارة العالمية بنسبة تزيد عن 3%، وفقدان مئات الآلاف من الوظائف حول العالم.
* النتيجة:
هذا ليس مجرد إجراء "حمائي"، بل هو إشعال لفتيل التضخم العالمي الذي يطحن الطبقات الفقيرة، ويحول لقمة عيش الشعوب إلى ورقة ضغط سياسي، مما يخلق بيئة خصبة للاضطرابات الاجتماعية التي تسبق عادةً الانفجارات الكبرى.
ثانياً: الاستهتار بالسيادة.. عقلية "الاستحواذ" إن التفكير في "شراء" جزر تابعة لدول سيادية (مثل غرينلاند) أو التدخل الفج في شؤون دول مثل فنزويلا، يعكس عقلية استعمارية قديمة بلباس حديث.
* السطو السياسي:
عندما تتحول الدول في نظر الإدارة الأمريكية إلى "عقارات" معروضة للبيع أو المصادرة، يسقط مفهوم القانون الدولي تماماً.
هذا الاستخفاف يحول العالم إلى غابة لا يحكمها إلا القوي، مما يستفز القوى الكبرى الأخرى للدفاع عن وجودها بكل الوسائل، بما في ذلك الخيارات العسكرية.
ثالثاً: التململ الأوروبي.. الحلفاء في مهب الريح لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، تشعر أوروبا (فرنسا، ألمانيا، والدنمارك) بأن "الأخ الأكبر" الأمريكي لم يعد حامياً، بل أصبح مصدر تهديد.
* فرنسا وألمانيا: تقودان الآن حراكاً لتعزيز "الاستقلال الاستراتيجي".
فالتصريحات التي تشكك في جدوى حلف الناتو، والضغط على أوروبا لدفع مبالغ طائلة مقابل "الحماية"، جعلت برلين وباريس تدركان أن الاعتماد على واشنطن هو انتحار سياسي.
* الدنمارك: التي صُدمت بعروض شراء غرينلاند، أصبحت رمزاً للدول التي ترفض تحويل كرامتها الوطنية إلى صفقة تجارية. هذا الشرخ الأطلسي يضعف الجبهة الغربية ويسرع من انهيار الهيمنة الأمريكية التقليدية.
رابعاً: جبهة الرفض الصارم (روسيا، الصين، وكوريا الشمالية) هذه السياسة "الترامبية" أدت إلى نتيجة عكسية تماماً لما تريده واشنطن؛ فقد وحدت الخصوم بشكل غير مسبوق:
1. الصين: التي ترفض الابتزاز التجاري، بدأت في بناء نظام مالي موازٍ بعيداً عن الدولار.
2. روسيا: التي ترى في التوسع الأمريكي والغطرسة تهديداً وجودياً، عززت من ترسانتها النووية والتقليدية.
3. كوريا الشمالية: التي تجد في لغة التهديد مبرراً للاستمرار في نهجها التسليحي. هذا الثالوث، مدعوماً بكراهية الشعوب للسياسات الإقصائية، يشكل الآن "كتلة حرجة" قادرة على مواجهة أي جنون عسكري أمريكي، مما يجعل احتمال نشوب حرب عالمية ثالثة أقرب من أي وقت مضى.
خامساً: مجلس السلم المزعوم وتهميش الإنسانية بدلاً من تفعيل دور مجلس الأمن، نرى محاولات لابتداع "مجالس بديلة" تهدف في جوهرها إلى الانفراد بالقرار الدولي.
إن دعم العدوان المستمر في الشرق الأوسط وتجاهل دماء الأبرياء ليس مجرد انحياز سياسي، بل هو سقوط أخلاقي مدوٍّ ينهي شرعية أمريكا كقوة عظمى تدعي حماية الديمقراطية.
الخاتمة: صرخة العقل قبل فوات الأوان إن الطريق الذي تسلكه السياسة الترامبية هو "طريق الهلاك" ليس لأمريكا وحدها، بل للبشرية جمعاء.
إن العقل البشري والإنساني يفرض علينا اليوم بناء تحالف عالمي من الشعوب والدول العاقلة للوقوف بوجه هذا التخبط. الحل لا يكمن في الابتزاز، بل في العودة إلى مائدة الدبلوماسية المتعددة الأطراف، واحترام سيادة الدول، وإلا فإن التاريخ سيكتب أن "الغطرسة" كانت هي الثقب الأسود الذي ابتلع الحضارة الحديثة