05 May
05May

د.مثنى السراي – اكاديمية العراق للطاقة

كثيرة هي الاحاديث المتداولة عن الاموال المهدورة في ملف الطاقة الكهربائية في العراق خاصة عندما تكثر ساعات القطع المبرمج وتقلص ساعات تجهيز الكهرباء للمواطنين في فصل الصيف اللاهب. حينها تبرز العديد من الاصوات المستهجنة لهذه الظاهرة بعد نيف وعشرين سنة من تغيير النظام في 2003 وتقابلها في نفس الوقت الاصوات المدافعة عن اسباب القطع. وتبدا وزارة الكهرباء بعد هذه الموجة من الاصوات بالدفاع عن نفسها موضحة بان اموال موازناتها السنوية (والتي تقدر بحوالي 150-200 مليار دولار منذ سنة 2003) قد ذهبت لتمويل مشاريع الكهرباء في البلاد والنهوض بمستوى التوليد من 3500 ميغاواط في سنة 2003 وصولا الى مستوى 28500 ميغاواط في صيف 2025 بالاضافة الى كلف تشغيل هذه المحطات وكلف الوقود والصيانات وتوسعة الشبكة الكهربائية وتمويل رواتب الموظفين طيلة الفترة المذكورة. 

وتعزو الوزارة ايضا بقاء ظاهرة القطع المبرمج المستمر للطاقة الكهربائية خلال فترات الصيف اللاهب والشتاء القارص في بعض الاحيان الى توقف مصادر الوقود المجهز للمحطات (وخاصة الغاز الايراني) كون الغاز والوقود المنتج محليا لا يكفي لتجهيز محطات التوليد لانتاج الطاقة الكهربائية الكافية اضافة الى زيادة مقدار احمال المستهلكين على الشبكة الكهربائية وخاصة بسبب توسع الاحياء والمدن ودخول مجمعات سكنية الاستثمارية والتي ادت الى وصول مستوى الاحمال في فترات الذروة مابين 40 و 50 الف ميغاواط مما ساهم بشكل كبير الى استمرارية ساعات القطع المبرمج وزيادتها في بعض الاحيان. 

وهنا يحتاج القارى او المتتبع لوضع الطاقة الكهربائية في العراق الى شرح مبسط للاطلاع على موارد صرف الاموال في قطاع الكهرباء وبالارقام المعلنة من قبل وزارتي الكهرباء والمالية. فمن ناحية انتاج الكهرباء فقد بلغت الطاقة المنتجة من المحطات التوليدية المملوكة حكوميا في الشبكة العراقية في سنة 2024 حوالي 96.6 مليون ميغاواط.ساعة وتضاف لها 68.9 مليون ميغاواط.ساعة من الطاقة المنتجة في محطات الاستثمار والطاقة المستوردة من دول الجوار ليكون المجموع هو 165.6 مليون ميغاواط.ساعة بزيادة بنسبة 5.3 بالمئة مقارنة بارقام سنة 2023 والتي كانت القدرة المنتجة فيها 157.2 مليون ميغاواط.ساعة. 

لكن هذه الطاقة لا تصل جميعها الى المستهلكين في قطاع التوزيع بل تعاني من نقاص في المقدار لاسباب متعددة. وهنا يجب ان نفصل مقدار الطاقة المستهلكة في الشبكة والطاقة الواصلة للمستهلك حيث بلغ مجموع ماتستلمه محطات نقل الطاقة هو 161.5 مليون ميغاواط.ساعة اي ان 2.5 بالمئة من مجمل الطاقة المنتجة ذهبت للاستهلاك الداخلي في محطات الانتاج.

 اما في مستوى نقل الطاقة وشبكتها فستكون كمية الضياعات والاستهلاك الداخلي في المحطات اعلى حيث تصل الى حوالي 7.5 بالمئة لتكون الطاقة المستلمة في قطاع التوزيع حوالي 149.5 مليون ميغاواط.ساعة. 

وبعد طرح نسبة الاستهلاك الداخلي لمحطات التوزيع والضياعات الفنية وغير الفنية في شبكة التوزيع (والتي تقدر بحوالي 55 بالمئة من الطاقة الواصلة لمستوى التوزيع) من القدرة المجهزة عبر شبكة نقل الطاقة, يكون صافي الطاقة المجهزة المباعة للمستهلكين حوالي 67.5 مليون ميغاواط.ساعة. 

اي ان نسبة الطاقة الواصلة للمستهلكين تبلغ حوالي 41 بالمئة من مجموع الطاقة المنتجة محليا بشقيها الحكومي والاستثماري والطاقة المستوردة. في حين ان الباقي وهو 59 بالمئة من مجمل الطاقة الكهربائية (اي 98 مليون ميغاواط.ساعة) يمكن اعتباره عن ضياعات فنية وغير فنية واستهلاك داخلي في محطات انتاج ونقل وتوزيع الطاقة الكهربائية وشبكاتها. 

الكهرباء في العراق - صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي 

وعند النزول الى مستوى المستهلكين لمعرفة مقدار الايرادات المستحصلة مقابل الطاقة المباعة فلابد لنا من المرور على قاعدة التعامل مع المستهلكين في الشبكة الكهربائية العراقية حيث ان وزارة الكهرباء قد قامت بتقسيم المستهلكين المستفيدين من خدماتها والبالغ عددهم 5.597 مليون مستهلك الى عدة فئات (وهم سكني وتجاري وحكومي وصناعي ومتجاوزين) ولكل فئة مستوى معين من التسعيرة. 

ويحتل المستهلك السكني حوالي 72 بالمئة من مجموع المستهلكين في الشبكة الكهربائية العراقية يليه المستهلك التجاري بنسبة 12 بالمئة (تختلف تسعيرة الكهرباء لهاتين الفئتين باختلاف كميات الطاقة المستهلكة بينما تثبت عند الفئات الاخرى) و 2 بالف صناعي و 1 بالمئة حكومي و 1 بالمئة زراعي و 13 بالمئة متجاوزين (والذين ايضا يختلف تصنيفهم مابين سكني وتجاري وصناعي).

 وتتراوح التسعيرة لهذه الفئات مابين 10 و 120 دينار لكيلوواط.ساعة للمستهلك السكني و 60 و 120 دينار كيلوواط.ساعة للمستهلك التجاري و 60 دينار كيلوواط.ساعة للمستهلك الصناعي والزراعي فيما كان نصيب المستهلك الحكومي 120 دينار للكيلوواط.ساعة. 

وكموشرات جباية حسب ارقام وزارة الكهرباء لسنة 2024 بلغت كلفة الطاقة المباعة للمستهلكين حوالي 3.003 تريليون دينار وكان مبلغ الجباية حوالي 2.362 تريليون دينار (بنسبة 79 بالمئة من كلفة الطاقة المباعة).

 في حين بلغت الديون السابقة للمستهلكين حوالي 9.945 تريليون دينار ولو تم اعادة الحسابات باضافة الديون السابقة الى كلفة الطاقة الباعة وحساب نسبة المبالغ المجباة الى الكلفة الكلية لاتضح ان وزارة الكهرباء استردت فقط 18 بالمئة من مجموع كلف الطاقة المباعة والديون السابقة مماينعكس سلبا في تعظيم موارد الوزارة وتغطية متطلباتها. 

اما من ناحية الكلف الفعلية لقطاع الطاقة الكهربائية فعندما يتم اخذ الحسابات المالية لسنة 2024 لوزارة الكهرباء ومقارنتها بالطاقة المنتجة وبشكل حسابي مبسط لمعرفة مقدار الدعم الحكومي من خلال تقسيم المبالغ المصروفة لوزارة الكهرباء (والبالغة 18.777 ترليون دينار حسب ارقام وزارة المالية) على مجموع القدرة المنتجة في محطات انتاج الطاقة فسيكون سعر الكيلوواط.ساعة هو 113.4 دينار وهو ما يمكن تسميته بتعرفة تعكس الكلفة (Cost Reflective Tariff ). 

وهذا الرقم يمثل ما تم دفعه لانتاج الطاقة الكهربائية (بغض النظر عن موارد الصرف في الوزارة) بدون احتساب ديون وزارة النفط والبالغة 23 تريليون دينار لغاية سنة 2023 والتي ستعمل على رفع تعرفة الطاقة الكهربائية للضعف تقريبا عند احتسابها. وعند اعادة الحسابات السابقة من خلال قسمة 18.777 تريليون دينار على صافي الطاقة المباعة للمستهلكين (بعد طرح الخسائر والضياعات والتجاوزات) فسيكون سعر الكيلوواط.ساعة هو 278 دينار وعليه تكون نسبة زيادة التعرفة حوالي 146%.

 في حين لو تم مراجعة كلفة الطاقة المباعة للمستهلكين حسب ارقام وزارة الكهرباء والبالغة 3.003 تريليون دينار وحسابها مع كمية الطاقة المجهزة المباعة والبالغة حوالي 67.5 مليون ميغاواط.ساعة فسيكون معدل سعر المدعوم حكوميا حوالي 44.5 دينار للكيلوواط.ساعة مما يعكس ان الدولة العراقية قد دعمت كلفة تجهيز الطاقة الكهربائية للمستهلكين بحوالي 15 تريليون دينار (قرابة 11 مليار دولار امريكي). 

ولو تم فرض سيناريو ان وزارة الكهرباء قررت الاعتماد على نفسها في التمويل واستيفاء الاجور الحقيقية لتشغيل محطاتها وتعويضات منتسبيها وتمويل مشاريعها المستقبلية (Self-Financing) فعليها ببيع الطاقة الكهربائية بعد تقليل ضياعتها الفنية وغيرالفنية على الاقل بتحقيق نسبة 30 بالمئة من الضياعات (وهي نسبة عالية عالميا) فستكون القدرة المجهزة المباعة للمستهلكين (حسب ارقام سنة 2024) حوالي 116 مليون ميغاواط.ساعة وسيكون معدل سعر الكيلوواط ساعة يتراوح مابين 140-180 دينار (10-14 سنت امريكي) علما بان هذه الارقام تختلف بحسب نوع المستهلك وكمية الاستهلاك. ومن خلال العرض الحسابي المبسط السابق لحساب كلف انتاج الكهرباء وتجهيزها للمستهلكين والتي قد تكون اعقد اذا تم اعتبار جوانب فنية واقتصادية وبشرية, نجد ان اعتماد الوزارة بشكل كبير على التمويل الحكومي لتغطية نفقاتها وضعف موارد الجباية اعاق بشكل كبير تمويل مشاريعها وتنفيذ خططها لتغطية العجز الحاصل في كميات الطاقة المجهزة او بتوفير بدائل الوقود المطلوب وتوسيع شبكتها وفك الاختناقات الموجودة.

 علما بان مشكلة حجم الانفاق في الوزارة ستتعقد مستقبلا بسبب زيادة محتملة في الاموال المطلوبة لتغطية كلف انتاج كميات الطاقة الكهربائية المضافة عند دخول الخطط الاستثمارية لمحطات الطاقة والضرورية من اجل مواجهة ارتفاع الطلب على الكهرباء. وبالتالي سيكون امام وزارة الكهرباء والحكومة تحدي كبير الا وهو تحويل قطاع الكهرباء على الاقل لقطاع معتمد على الذات بنسبة كبيرة في التمويل والتطوير وتوفير الدعم الحكومي من الموازنة لتمويل جوانب الاستثمار ودعم فئات المستهلكين المستحقة. 

وهذا الامر لا يتم الا بعد العمل على تقليل الخسائر الفنية والغير فنية في قطاعات الكهرباء وتعظيم موارد الجباية واعتماد مبدا الاتمتة خطط مستدامة واعتماد مشاريع الطاقة المتجددة وتعميق مبدا انتاج الطاقة الكهربائية عبر الاستثمار باسعار تنافسية والترشيد في استهلاك الطاقة وتقنين استيراد الاجهزة الكهربائية ذات الاستهلاك العالي للطاقة. 

وهذه المقترحات تبين ضرورة الشراكة بين الدولة و المواطن لتجاوز مشكلة الكهرباء الازلية وهنا يجدر الذكر الى الحاجة الفعلية الى حملة توعوية ضخمة لتعريف فوائد الجباية وان مايدفعه المستهلك كفاتورة كهرباء يعكس مايستهلكه بشكل فعلي في استخداماته اليومية ولا دخل للساعات القطع في الغاء واجبات الدفع للجباة وان العائد من هذه الجباية سيسهم في تقليص هذه الظاهرة. 

علاوة على ماسبق فان الحاجة للترشيد في استهلاك الطاقة واستيراد اجهزة كهربائية اقتصادية ذات جودة عالية واستخدام منظومات الطاقة المتجددة للاستخدام السكني والتجاري والزراعي يسهم في تقليل فاتورة المستهلك وبالتالي تقل كلف الانتاج وكنتيجة يساعد المواطن بشكل فاعل في دعم الوزارة في تجاوز تحدياتها وسدة الفجوة المتبقية في ساعات تجهيز الكهرباء.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن