منتصر صباح الحسناوي
كنا نعرف أن المليون هو السقف الأعلى للأرقام التي يمكن أن نتخيلها، ثم تعلّمنا المليار وبعده أصبحنا نميّز التريليون ونستوعب الفروق بينهما.
لم يحدث ذلك لأن دخولنا ارتفعت أو لأن ثرواتنا تضاعفت وإنما لأن هذه الأرقام أخذت تتردد على مسامعنا في أخبار الفساد والاختلاسات والصفقات المثيرة للجدل.
الفساد نفسه ظاهرة عرفتها المجتمعات عبر التاريخ وهو امر ليس بغريب، لكن الغرابة في حجم الأرقام التي نسمعها وفي قدرة بعض القضايا على تجاوز حدود الخيال لتدخل عالم المليارات والتريليونات.
عند كل قضية من هذا النوع تتجه الأنظار نحو الأشخاص المتهمين وتتصدر أسماؤهم عناوين الأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي، ويبدأ الجدل حول مسؤوليتهم وعقوباتهم.
وهذا أمر طبيعي فالأشخاص هم من يوقعون العقود ويصدرون القرارات ويتحملون المسؤولية القانونية والأخلاقية، لكن التوقف عند هذا الحد قد يحجب سؤالاً أكثر أهمية: هل نحن أمام فساد شخص أم فساد مؤسسة؟
فالإنسان، بحكم طبيعته، قد يخطئ وقد يضعف أمام الإغراء، لهذا السبب لم تُبنَ الدول الحديثة على حسن النوايا بقدر اعتمادها على منظومات من الضوابط والرقابة والتدقيق والمساءلة.
ان وجود شخص فاسد داخل مؤسسة ما لا يعني بالضرورة وجود مشكلة عامة أما تمكنه من تجاوز الإجراءات والالتفاف على القوانين والاستمرار في ممارساته لفترة طويلة وتحقيق أضرار كبيرة هو أمر يدفع إلى التساؤل عن البيئة التي سمحت بذلك.
نسمع عن ملفات بمبالغ ضخمة أو مشاريع شابتها شبهات كبيرة وكثيراً ما نرى ظهور طبقة من الترف المبالغ سريع التحول وهنا فإن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على: من فعل ذلك؟ بل يجب أن يمتد إلى: كيف حدث ذلك؟ وأين كانت حلقات الرقابة؟ وكيف مرت الإجراءات؟ وهل كانت هناك مؤشرات مبكرة لم يلتفت إليها أحد؟ فكل عملية فساد كبيرة تحمل في داخلها قصة مؤسسية كاملة، لا قصة شخص واحد فقط.
وفي المقابل، يقع المجتمع أحياناً في خطأ التعميم، إذ تتحول بعض القضايا إلى أحكام جاهزة تطال الجميع فيُنظر إلى الموظف النزيه بالعين نفسها التي يُنظر بها إلى الفاسد وتُختزل مؤسسة كاملة في أخطاء عدد محدود من العاملين فيها.
ومع تكرار هذه الصورة تتآكل الثقة العامة وهي من أهم الأصول التي تقوم عليها الدول والمجتمعات.
إن النقد الموضوعي يحاول فهم الأسباب ولا يكتفي بالغضب من النتائج، فالتركيز على الأشخاص وحدهم قد يمنحنا شعوراً مؤقتاً بالرضا عندما تتم محاسبتهم، لكنه لا يضمن عدم تكرار المشكلة. أما التركيز على الثغرات والإجراءات وآليات الرقابة، فإنه يفتح الباب أمام إصلاح حقيقي يقلل فرص تكرار الفساد مستقبلاً.
ولهذا فإن قوة المؤسسة تقاس بقدرتها على اكتشافها الاخطاء ومعالجتها مع تطوير أنظمتها أما المؤسسة التي تتعامل مع كل قضية كحادثة منفصلة، فإنها تبقى معرضة لتكرار المشهد نفسه بأسماء مختلفة وأرقام أكبر.
ربما لا يكون السؤال الأهم في قضايا الفساد: من سرق؟ فالقضاء والجهات المختصة تتولى الإجابة عن ذلك. السؤال الذي يستحق أن يشغل الرأي العام هو: ما الذي جعل السرقة ممكنة؟ وكيف يمكن بناء منظومة تجعل تكرارها أكثر صعوبة؟ فعندما ننتقل من ملاحقة النتائج إلى معالجة الأسباب، نكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح نحو دولة أقوى ومؤسسات أكثر كفاءة وثقة عام.