23 Jul
23Jul


هل تستطيع السياسة الخارجية أن تصنع نهضة العراق؟

حين يُذكر نجاح السياسة الخارجية، يتبادر إلى الذهن عدد الزيارات الرسمية، والقمم الدولية، والبيانات المشتركة، وربما حجم الحفاوة التي يحظى بها المسؤولون في العواصم المختلفة. غير أن هذه كلها ليست سوى وسائل، أما السؤال الحقيقي فهو: ماذا عاد على العراق من هذه العلاقات؟ وهل أسهمت في تحسين حياة العراقيين؟ فنجاح السياسة الخارجية لا يقاس بعدد اللقاءات ولا بكثرة الاتفاقيات الموقعة، وإنما بقدرتها على خدمة المصالح الوطنية وتحويل العلاقات الدولية إلى فرص حقيقية للتنمية والازدهار. إذا لم تسهم السياسة الخارجية في خلق فرص العمل، وجذب الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، وتحسين التعليم، وتعزيز الأمن المائي والغذائي، وفتح الأسواق أمام المنتجات الوطنية، فإنها تبقى نشاطاً دبلوماسياً مهماً، لكنها لا تحقق الغاية التي تنتظرها الدولة والمجتمع.

 لقد فرضت الظروف التي مر بها العراق خلال العقود الماضية أن تتصدر الملفات الأمنية والسياسية جدول أعمال الدبلوماسية العراقية. وكان ذلك أمراً مفهوماً في ظل الحروب، والعقوبات، والإرهاب، والأزمات الإقليمية.

 لكن الدول لا تستطيع أن تبقى أسيرة الأزمات إلى الأبد. وعندما تبدأ مرحلة بناء الدولة، ينبغي أن تتغير أولويات السياسة الخارجية أيضاً.

 فالسياسة الخارجية في الدول التي تتطلع إلى النهضة لا تقتصر على إدارة العلاقات السياسية، بل تتحول إلى أداة لجذب الاستثمار، واستقطاب التكنولوجيا، وبناء الشراكات العلمية، وفتح الأسواق، وتطوير الصناعة والزراعة، وتعزيز الاقتصاد الرقمي، ودعم مشاريع الطاقة والنقل والبيئة. 

وبذلك تصبح التنمية جزءاً أصيلاً من العمل الدبلوماسي، لا ملفاً منفصلاً عنه. ومن هنا، لم يعد كافياً أن تكون السفارات العراقية ممثلة للدولة سياسياً فحسب، بل ينبغي أن تكون شريكاً في تحقيق أهدافها التنموية. 

فنجاح أي سفارة لا يقاس بعدد حفلات الاستقبال أو اللقاءات الرسمية، وإنما بما تسهم في تحقيقه من نتائج ملموسة. كم استثماراً ساعدت في استقطابه؟ وكم شركة شجعت على العمل في العراق؟ وكم جامعة أو مركزاً بحثياً أقامت معه شراكات؟ وكم منحة أو فرصة تدريب أتيحت للشباب العراقي؟ وكم سوقاً جديدة فُتحت أمام المنتج العراقي؟ تلك مؤشرات أكثر دلالة على نجاح العمل الدبلوماسي من كثير من المظاهر البروتوكولية.

 ولا تقتصر مهمة السياسة الخارجية على جذب الأموال، بل تمتد إلى بناء رأس المال البشري، وهو الثروة الحقيقية لأي دولة. فالانفتاح على الجامعات العالمية، وتشجيع البحث العلمي، واستقطاب الخبرات العراقية في الخارج، وتوسيع برامج التدريب والتبادل العلمي، كلها استثمارات طويلة الأمد في مستقبل العراق، لا تقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية أو المشاريع الاقتصادية.

 كما أن المشاريع الوطنية الكبرى لا يمكن أن تنجح بمعزل عن سياسة خارجية فاعلة. فطريق التنمية، وميناء الفاو الكبير، والربط الكهربائي، وتعزيز الأمن المائي والغذائي، والتحول الرقمي، والطاقة المتجددة، كلها تحتاج إلى شراكات دولية، واستثمارات، وتمويل، ونقل للخبرات والتكنولوجيا. والدبلوماسية الناجحة هي التي تجعل هذه المشاريع حاضرة في كل حوار مع الشركاء الدوليين.

 ولعل من أهم النتائج التي تحققها هذه المقاربة أن الاقتصاد القوي يمنح الدولة هامشاً أوسع من الاستقلال في قرارها السياسي

. فكلما تنوعت الشراكات الاقتصادية، وتعززت المؤسسات، وازدادت قدرة الاقتصاد الوطني على النمو، تراجعت قدرة الآخرين على ممارسة الضغوط السياسية. فالاستقلال الحقيقي لا يبنى بالشعارات وحدها، بل يقوم أيضاً على اقتصاد متين، ومؤسسات قوية، وعلاقات دولية متوازنة تقوم على المصالح المتبادلة. إن السياسة الخارجية ليست سجلاً للزيارات الرسمية، ولا أرشيفاً للبيانات المشتركة، بل هي إحدى أدوات بناء الدولة. وكل علاقة خارجية لا تضيف للعراق فرصة عمل، أو استثماراً، أو معرفة، أو تقنية، أو أمناً، أو مكانة دولية، تستحق أن تُراجع. 

فحين تصبح التنمية هي البوصلة، تتحول الدبلوماسية من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، وتصبح السياسة الخارجية شريكاً حقيقياً في نهضة العراق، لا مجرد مرآة لعلاقاته مع العالم.

   سامي العسكري 

كاتب عراقي مهتم بقضايا الدولة

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن