منتصر صباح الحسناوي
لم يعد مستغرباً أن يرافق الداخلين إلى مجالس العزاء مصوّرون، خصوصاً إذا كان العزاء لمسؤولٍ أو وجه اجتماعي أو يُتوقَّع حضور شخصيات نافذة فيه.
اللياقة والبروتوكول يقتضيان أن يكون لصاحب العزاء، إن أراد، من يوثّق المناسبة، لكن ما نشهده اليوم مختلف.عشرات الكاميرات تتقدّم الداخلين، تُلتقط الصور عند نزوله من السيارة وعند الباب وعند المصافحة وعند الجلوس وحتى عند ارتشاف فنجان القهوة. كل حركة موثّقة وكل التفاتة محسوبة.
يبدو المشهد أقرب إلى مناسبة معدّة للعرض منه إلى لحظة حزن يفترض أن يغلب عليها الصمت والوقار.وأنا أراقب ذلك، عاد بي الزمن قرابة عشرين عاماً إلى عزاء جدّي الحاج مهدي آل شمخي.
يومها طلبتُ من أحد المصورين أن يوثّق اللحظة بكاميرا قديمة، ما إن ظهرت الكاميرا بين الجموع حتى صرخ أحد الحاضرين بلهجة حاسمة:“شجاي تسوي؟ شنو هي حفلة؟”
شعرتُ بإحراج، وطلبتُ منه التوقف فوراً، كان التصوير يُعدّ خروجاً على الذوق العام ومسّاً بحرمة اللحظة. كانت هناك حساسية واضحة تجاه تحويل الحزن إلى صورة.
اليوم تغيّر المشهد، ما كان يُستنكر أصبح مألوفاً وأحياناً مطلوباً. الكاميرا تتقدّم برفقة الوافدين " صورني وآني أعزي " .
الظاهرة لا تقتصر على مجالس العزاء؛ نراها في الولائم وفي اللقاءات الخاصة، وفي مناسبات لم تُعدّ أصلاً لهذا العرض المتواصل.
صورة مع شخصية نافذة تمنح إيحاءً بالقرب، وتُراكم رصيداً رمزياً سريعاً.
لقطة واحدة قد تكفي لتكبير الحجم في المخيّلة العامة.
هكذا تحوّلت الحياة الاجتماعية إلى مسرح يُقدّم فيه الأفراد أنفسهم عبر أدوار مدروسة.
تُستثمر المناسبات الاجتماعية لسد نقص ما أو لبناء انطباع عن تأثير لا يتجاوز لحظة مصافحة.
المقارنة بين صرخة ذلك الرجل قبل عشرين عاماً وصمت اليوم تكشف تحوّلاً عميقاً في الحساسية الاجتماعية.
تتبدّل الأدوات ومعها الأصول ومعيار اللياقة وحدود الوقار.
خرجتُ من مجلس العزاء وسؤال واحد يرافقني:هل تغيّرت الكاميرا، أم تغيّر معنى الحضور؟وهنا وبكل ما ذكرناه لا نريد التشبيه وإلّا فالأمثلة كثيرة جداً …