05 Apr
05Apr

بقلم: نصير العلي 

في أروقة التحليل الاستراتيجي، هناك قاعدة لا تتغير: في الحروب الكبرى لا يُعلن الهدف الحقيقي، بل يُدفن تحت طبقات من الضجيج المُصمم بعناية. 

ما نشهده اليوم من تصعيد متبادل بين الولايات المتحدة وإيران، وتركيز شبه إعلامي متعمّد على جزيرة "خرج" الإيرانية كهدف محتمل، يدخل ضمن هذا النمط الكلاسيكي من التمويه الاستراتيجي.

لكن الخرائط لا تكذب، والجغرافيا العسكرية أكثر صراحة من التصريحات السياسية.

لماذا "خرج" هدف زائف؟جزيرة خرج، التي تبعد حوالي 25 كم عن الساحل الإيراني في شمال الخليج العربي، هي بالفعل أهم منصة تصدير للنفط الإيراني — يستقبل منها أكثر من 90% من صادرات إيران النفطية.

 ضربها أو احتلالها سيكون موجعاً لطهران اقتصادياً، لكنه لن يغير قواعد اللعبة الاستراتيجية في المنطقة. إيران يمكنها — نظرياً — إعادة توجيه جزء من صادراتها عبر موانئ أخرى مثل جاسك على بحر عمان، رغم الكلفة والوقت.

عسكرياً، السيطرة على خرج لا تمنح واشنطن أي ميزة حاسمة في التحكم بالممر المائي الذي يمر عبره يومياً قرابة 21 مليون برميل نفط — أي ما يعادل 21% من استهلاك النفط العالمي، بالإضافة إلى أكثر من ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم (خاصة من قطر).

 ببساطة: خرج ورقة تكتيكية، وليست جائزة استراتيجية.

قشم: الجائزة التي لا يتحدث عنها أحدالهدف الذي يغيّر كل شيء ليس خرج، بل جزيرة قشم.تقع قشم — أكبر جزر الخليج بمساحة 1,491 كم² — مباشرة على المدخل الشرقي لمضيق هرمز، وتُشرف على أضيق نقطة في المضيق (33 كم فقط في بعض المواضع). 

من يسيطر على قشم لا يسيطر على منشأة نفطية، بل يضع يده على صمام شريان الطاقة العالمي.من قشم يمكن نشر أنظمة دفاع ساحلي، صواريخ مضادة للسفن (مثل C-802 و"نصر" الإيراني)، وألغام بحرية، ورادارات إنذار مبكر، ما يمنح المسيطر قدرة على خنق الملاحة أو فرض "تفتيش" انتقائي على الناقلات — أي تحويل المضيق من ممر دولي مفتوح إلى بوابة خاضعة لإرادة طرف واحد.

وهذا بالضبط ما يجعل الصمت الأمريكي والغربي عن "قشم" مثيراً للريبة، بينما يتم تضخيم الحديث عن "خرج".

استراتيجية التطويق: النفط كسلاح جيوسياسيالهدف الأمريكي الأبعد من أي ضربة محتملة لإيران ليس "ايلام طهران" فقط، بل إعادة رسم معادلة الطاقة العالمية. السيطرة غير المباشرة على مضيق هرمز — سواء عبر وجود عسكري دائم في قشم أو عبر تحالف يُمكّن من "تأمين" المضيق بقواعد متقدمة — يعني أن واشنطن تمتلك القدرة على:

1.  خنق الصين: التي تستورد أكثر من 45% من نفطها عبر هرمز، وأي تعطيل هناك يرفع كلفة الطاقة على بكين ويضرب نموها الصناعي مباشرة.

2.  الضغط على الهند واليابان وكوريا الجنوبية: اقتصادات آسيوية تعتمد بنسبة 70-80% على نفط الخليج العابر للمضيق.

3.  إعادة هندسة سوق الطاقة: عبر تحويل الغاز القطري والإماراتي والنفط السعودي والعراقي والكويتي إلى ورقة تفاوض سياسية، وليس سلعة اقتصادية فقط.

4.  تحييد روسيا: التي تحاول بناء ممرات بديلة للطاقة إلى آسيا، فالسيطرة على هرمز تعني أن واشنطن تتحكم بالممر الوحيد الذي لا بديل عنه حالياً.هذه ليست حرباً على إيران فقط، بل عملية "تطويق طاقي" شبه كاملة لآسيا، وإعادة تثبيت الدول المصدرة للنفط — بما فيها دول الخليج — ضمن معادلة أمنية يكون المفتاح فيها في واشنطن.

 والتحذير هنا سيكون اولالإيران: الرهان على أن خرج هي الهدف قد يكون قاتلاً. تحصين قشم ونشر قدرات ردع بحرية متقدمة حولها ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية.

 خسارة قشم تعني أن إيران ستفقد قدرتها على الردع عبر تهديد إغلاق المضيق — وهي الورقة الوحيدة التي تمنع حتى الآن ضربة شاملة.

وثانيا لدول الخليج: الاعتقاد بأن الوجود الأمريكي "يحمي" الملاحة هو قراءة ناقصة. عندما تتحول الحماية إلى تحكّم، يصبح المصدر (السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، العراق) رهينة للقرار الأمريكي في أي أزمة مع الصين أو حتى في ملفات إقليمية أخرى. 

اليوم تُفتح لك الموانئ، وغداً قد تُفرض عليك حصص تصدير أو رسوم عبور غير معلنة تحت مسمى "تأمين الملاحة".ما يجري الآن ليس تحضيراً لضربة، بل لمرحلة جديدة عنوانها واحد: من يسيطر على قشم... يسيطر على مضيق هرمز.

 ومن يسيطر على هرمز... يمسك بخناق الاقتصاد العالمي.الصمت عن قشم ليس صدفة. وهو أخطر من كل الضجيج حول خرج.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن