29 Apr
29Apr

         

١-في نيويورك وانت تقترب من رصيف (الحي الصيني) و (حي هارليم) تبدأ موجة التحذيرات من  زملاء الرحلة   والوصايا الحانية من عدم الدخول الى هذين الحيّين الغارقين ب (عفاريت) بشرية تحترف كل شيء الا (القانون ) لانها نشأت وترعرعت على هوامش وخطوط  وأزقة  ورثت (التمرد) وأتلفت معه و (خلّفت) منه (ذرية) تملأ الديار والدرابين والحانات فمنهم من يمشي برجل واحدة ومنهم من يبصر بعين واحدة ومنهم من يمشي بلا قلب منذ سنين 


٢-(الحي الصيني ) غالبية سكانه من الجالية الصينية أما (حي هارليم)فهو حي تأسس قبل ١٩٠ عاماً لإسكان القادمين من هولندا  وحمل اسم مدينة (هارليم)الهولندية وسكانه خليط من القادمين من القادمين من افريقيا واروبا والدول الناطقة بالاسبانية  والمشترك بين (الحييّن) والمنطقتين هو النهار الغامض الذي يلفهما والليل الغارق بالظلمة التي تخفي كل شي الا أسنان تلمع من بعد كعيون القطط الفسفورية  التي تزيد المكان خوفاً وعفونة وترقباً من المجهول 


٣-عندما تجازف وتدخل احياء نيويورك (الخطيرة) ستكتشف طبيعة الاعمال والمهن التي تمارس فيها  فالناس هناك مشغولون بمهن (يدوية ) وتجارية تبدأ من

 أ-غسيل الاموال  القادمة والهاربة           

  ب-وعمليات (تزييف) او (تزوير) الماركات التجارية للسلع والبضائع الثمينة (ساعات وملابس رياضية واحذية وميداليات) ج- لعب القمار بمبالغ عالية د- تجارة الجنس بكل انواعه 


٤-تتفاجئ بما يجري في هذه الشوارع الاميركية في ولاية تضم أعلى هيئة أممية ومراكز تجارية عملاقة ونواطح سحاب وحركة أموال عالمية عبر المحيطين الاطلسي والهادي وفي زمن الكاميرات الحرارية والنواظير الليلية  وخبرات متراكمة لاجيال الشرطة والامن هناك وأرشيفات الجنايات والجرائم التي (تسجل كل شئ) 


٥- حي (البتاوين) الواقع في وسط العاصمة بغداد في ضفة الرصافة والتي تبتعد عشرات الامتار عن مفردات العاصمة الفارقة من (نصب الحرية )(وحديقة الامة) و (جسر الجمهورية) الذي ينتهي عند (بوابة القصر الجمهوري ) العتيد والذي تحتضنه الان (المنطقة الدولية-الخضراء) والمحاذي لشارع (ابي نؤاس) تتمدد على دجلة الخير وهو ينتظر خير السحاب الوفير في سهرة (ألف ليلة وليلة) 


٦-جاءت تسمية البتاوين من كلمة (ألبتة) وهي قرية من قرى (الحلة) التي قدموا منها ويطلق على ساكنها (البتاوي)

وهناك رأي آخر يقول ان 

قرية (البت)تقع شمالي ديالى ومنها نزحوا الى بغداد وسمي الحي (البتاوين) او (كرّادة البتاوين) في بغداد وكان ذلك في القرن التاسع عشر 


٧-البتاوين في الاربعينات من القرن الماضي كان يسكنها اليهود والمسيحيون والمسلمون وبعض (الغجر)                         وفي الخمسينات هاجر اليهود الى فلسطين واصبحت البتاوين ذات مسحة مسيحية ظاهرة في الملبس واللغة والعادات والاعياد 

وفي الثمانينات استوطنها الكثير من السودانيين والمصرين لقربها من مركز المدينة ورخص الحياة فيها بعد ان التحق شبابها وكل شباب العراق في (معارك صدام)مع جيرانه ايران والكويت والسعودية  في مواسم الحصاد الكبرى للدكتاتور التي أفرغت المدن من الشباب فاصبحت البيوت تشكو الفقر والرقيب والوالد والزوج في فراغ ثقيل 


٨-تأثرت البتاوين بالحرب الطائفية والقتل على الهوية والتطرف فغادر الكثير من سكانها الى خارج البلاد  

ولما بدأت الازمة السورية عام٢٠١١ سكنت العديد من العوائل السورية في البتاوين طلباً للامان ورخص البيوت والفنادق فيها  

وكذلك قدم الى البتاوين الكثير ممن ترك القرى والريف بحثاً عن العمل وكذلك الهاربات من بيوتهن خوفاً من القتل بسبب (خلل اخلاقي) والاطفال مجهولي النسب وكذلك نتيجة التفسخ الاسري وكثرة الطلاق  ليختفي كل هؤلاء في أزقة البتاوين الليلية 

وفي الصباح (رباح) للجميع 



٩-عند الصباح ينطلق أطفال البتاوين بموجات بشرية الى الشوارع وتقاطع الطرق والاشارات المرورية فمنهم من يبيع الماء وآخريبيع (الكلينكس) وهناك من يبيع (العلك) وصبغ الاحذية ومسح زجاج السيارات ومنهم من (يتخصص)بالتنصت والتجسس والتقاط الاخبار عن حملات المداهمة ومنهم من يصبح (دليلا)  او (مرشد سياحي)للغريب القادم الى العاصمة


١٠-في الليل يبدأ (الشفت) المسائي للعمل بادارة الشباب والبنات والشقق المفروشة وغير المفروشة  وكذلك توزيع البريد (الخاص والسري) والذي يفتح بالذات واليد فقط وبداخله حبيبات الموت الاسود وتخدير العقول والاجساد 

وتنتشر على حافات البتاوين وحديقة الامة وشارع السعدون رجال (العلاقات العامة) لاستدراج الغرباء ورواد الفنادق للنوادي الليلية و بيوت الدعارة وتنفيذ الجرائم بهم من سرقات ومخدرات وتجنيد سماسرة وتجارة الاعضاء البشرية وتزوير العملات ومعامل غش صناعية وجريمة منظمة 

والكل هناك يتكلم بلغة الاشارة او حروف لايفهمها الا سكان تلك المنطقة امعاناً بالسرية والاحتياط من الفضيحة  وبأسماء وكنى غير حقيقية وبهويات مزورة 


١١-خيط مخابراتي لاحدى الدول العربية استطاع ان يخترق بعض البيوت هناك من نصيحة لشاب مجند( فدائي صدام)كان يسكن في البتاوين وتم تجنيد بعض الشباب والشابات في اعمال (أمنية-سياسية) في مقاطع زمنية متعددة وبرزت شعارات وملابس وموديلات غريبة الاطوار ثم اختفت بسرعة البرق بعد ان اكتشف رأس الخيط من الطرف الاخر  وهي تنتظر موسم جديد في استراحات ماجنة 


١٢-عملية (التخلية) التي تجري في البتاوين الان من الممنوع والمحذور لابد ان تقرن بعملية (التحلية) لكي لايترك المكان فارغاً ويعود يمتلئ من جديد بكل ماهو ممنوع وشاذ  

وفاسد لان القضية لاتتحرك في ساحة السلطة والشرطة والقوة فقط وانما في كل الساحات التربوية والدينية والاجتماعية والسياسية 

ولأن البتاوين(قطعة زمنية ومكانية) غير معزولة عن المجال الحيوي اليومي للمواطن الفرد والاسرة  وهي حالة يمكن ان تتسع وتكبر وتمدد الى المدارس والجامعات والدوائر والبيوت وتلك (عدوى)سريعة الانتشار  في أجواء (اللامبالاة)



النائب عباس الجبوري 

عضو لجنة العلاقات الخارجية

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2024 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن