13 Jun
13Jun


منتصر صباح الحسناوي
عند تراكم الأزمات واشتّداد الخصومات وتصاعد مشاعر الغضب، تبحث المجتمعات غالباً عمن تحمّله المسؤولية، ومن هنا ولدت فكرة "كبش الفداء" ، تلك الفكرة القديمة التي رافقت التاريخ الإنساني بأشكال مختلفة وما تزال حاضرة حتى اليوم وإن تبدلت أدواتها.

يقوم مفهوم كبش الفداء على تحويل شخص أو جماعة إلى رمز للمشكلة، فتُسقط عليه المخاوف والإخفاقات والتوترات التي راكمها الزمن، ويغدو تحميله المسؤولية أقصر الطرق لإشباع الرغبة الجماعية في إيجاد مذنب واضح ومحدد وقد يكون انتقام لموقف او حدث .


في الماضي كانت هذه العملية تجري داخل الجماعات والمجتمعات المحلية، أما اليوم فقد وجدت في الإعلام ومنصات التواصل بيئةً أكثر سرعة وتأثيرا. 

يكفي اتّهام جذاب أو مقطع مبتور أو رواية من طرف واحد، حتى تبدأ موجة من التفاعلات تتجاوز الوقائع نفسها، ومع اتّساع دائرة التفاعل يتحول الشخص من طرفٍ في قضية إلى عنوان لها، ومن متهم إلى مدانٍ في نظر كثيرين قبل أن تتضح الحقائق أو تأخذ المؤسسات المختصة دورها.


النقد أو المساءلة من ضرورات الحياة العامة، لكنّ الانتقال من نقد الفعل إلى إلغاء الشخص، ومن البحث عن الحقيقة إلى البحث عن مذنب جاهز، عند هذه النقطة تلتقي فكرة كبش الفداء مع ما يعرف اليوم بثقافة الإلغاء، إذ تصبح الأحكام أسرع من التحقيقات والانطباعات أقوى من الأدلة والضجيج أعلى من الحقيقة.


مجتمعاتنا اليوم تعيش استقطابات سياسية واجتماعية متكررة، تتجدد فيها هذه الظاهرة بأشكال مختلفة، فبعض الخصومات لا تنتهي بإثبات الوقائع أو نفيها، بل تنتهي بإقصاء الطرف الآخر معنوياً وإخراجه من المجال العام وكأن الغاية أصبحت إلغاء الخصم لا معرفة الحقيقة.


الدولة الحديثة تحتاج مؤسسات تحقق وتدقق وتحاسب بموضوعية وتكشف الأسباب دون التعلق بالنتيجة وإدانة كبش فداء. الحقيقة يثبتها الدليل وتؤكدها الإجراءات العادلة بعيداً عن التصفيق والإعجاب ومشاركات التواصل الاجتماعي.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن