05 Oct
05Oct

 

كثيرة هي النصوص او الصور او الاشكال في المجلات والصحف والكتب التي تجذب القارئ لتكون مفتاحا لبحث او مقال او كتاب جديد يعكس ما تحتويه هذه المصادر من فكرة غير مستطرقة او مدخل مهم لم يتم تسليط الضوء عليه والذي يمكن التوسع فيه وجعله نص مفيد معرفيا. ان القصد من هذه الاسطر ليس الادعاء بوجود فكرة جديدة او بحث غير مطروق ينوه له كاتب هذا المقال وانما هي تشبه تفسير المفسر بشكل اوسع وتحويل البيانات الى معلومات وشرحها بطريقة لم يشر لها النص الاصلي واسقاطها فيما بعد على الواقع العراقي.

 فبعد مطالعتي لتقرير كفاءة الطاقة (Energy Efficiency 2025) والصادر من وكالة الطاقة الدولية استوقفني الشكل ادناه والذي يمثل مقارنة الاستهلاك السنوي للطاقة الكهربائية لدول العالم منذ سبعينيات القرن الماضي ولغاية سنة 2025. والشكل في مضمونه يخصص هذه المقارنة بين الولايات المتحدة واوروبا والصين واليابان والهند وبقية دول العالم ومن خلال النظرة الاولية يظهر المخطط تضاعف الطلب على الكهرباء عالميا بمقدار خمسة مرات خلال قرابة خمسين سنة وهذا ناتج بدوره بسبب ازدهار الحياة الصناعية وانتشار ظاهرة كهربة المجتمعات بالاعتماد على استهلاك الوقود الاحفوري ومصادر الطاقات المتجددة.


ومن التدقيق المستفيض في الشكل يظهر بان كلا من موشرات الصين والهند وبقية دول العالم (اللون الاحمر والاصفر الغامق و الرمادي على التوالي) قد شهدت نموا واضحا في مستويات استهلاك الكهرباء مع بدايات القرن الحالي وهي تترجم الزيادة في نسب النمو السنوية في الاقتصادات الناشئة والنامية لاسيما في الدولتين المشار اليهما. كذلك يعكس هذا المؤشر استهلاكا كبيرا لمصادر الوقود الاحفوري المستخدم في توليد الطاقة الكهربائية وبالتالي زيادة كبيرة في نسب التلوث والتسبب في تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري.

  ان ظاهرة زيادة استهلاك الطاقة الكهربائية في سلوك الامم مع تقدم الزمن هو امر طبيعي خاصة مع زيادة الكثافة السكانية وحضور الاقتصادات الصناعية خاصة مع الانتشار المتزايد للسيارات الكهربائية واستخدام الكهرباء في المباني في التدفئة والتبريد والطبخ والخدمات الرقمية، مثل الذكاء الاصطناعي وكهربة النقل وهذا كله يعرف عالميا بكهربة الاقتصاد (Electrification of the Economy) والذي يعني زيادة الاعتماد على الكهرباء لتلبية احتياجات القطاعات المختلفة بدلاً من استخدام الوقود المباشر مثل النفط والغاز وبالتالي بروز أهمية الكهرباء باعتبارها محوراً أساسياً للنشاط الاقتصادي. 

الا ان الملفت في الشكل نفسه , السبب لهذا المقال, هو المقارنة بين نسب استهلاك الطاقة الكهربائية من قبل ثلاث امم الا وهي الولايات المتحدة الامريكية ودولة اليابان والدول الاوروبية والمؤشرات السابقة. فمن يتفحص جيدا في سلوك مؤشرات هذه الامم يجد ان هذه الاقتصادات قد ثبتت نسب استهلاكها للكهرباء وبنسب ملحوظة منذ بداية القرن الحالي. وهذا الامر ليس بالمنطقي من المنظور التقليدي لان هذه الامم لايمكن ان يكون اقتصادها قد توقف او مر بمرحلة النمو الصفري ليبقى استهلاك شعوبها مستقرا قرابة ربع قرن من الزمن؟! 

وهنا يجب ان نطرح السوال التالي: هل يمكن لاقتصاد امة او دولة أن يستمر في النمو من دون أن يرتفع استهلاك الكهرباء بنفس معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي (GDP)؟ ان تفسير استقرار استهلاك الكهرباء للاقتصادات المذكورة يحمل عدة اوجه او تفسيرات منها ارتفاع كفاءة استهلاك الكهرباء في امريكا واليابان واوروبا. فهذه المجتمعات اليوم تشغل مصباح LED بدلا من استخدام مصباح قديم وبدلا من  تشغيل جهاز التكييف قديم التقنية فان مواطني هذه الدول توجهوا لاقتناء اجهزة التكييف الحديثة والتي تعمل بتقنية المحول (Inverter) والذي انتشر بشكل واسع هذه الايام. 

وكذلك بدلا من تشغيل خطوط انتاجية في مصنع عبر محرك صناعي يعمل بطراز تقليدي قديم انتقل اصحاب رؤوس الاموال الى تشغيل نفس المصنع باستخدام محرك صناعي متغير التردد (VFD) علاوة على تطويرتصميم المباني من الطرازات القديمة الى تصاميم تحمل عزل حراريا محكما مع ادارة ذكية للطاقة وكل ماورد ساهم في تقليل كميات استهلاك الكهرباء.

 وبذلك زادت الخدمات المطلوبة من الاجهزة المنزلية والمعدات الصناعية، ولكن انخفضت الكهرباء المستهلكة لكل خدمة بحيث يمكن أن يبقى الاستهلاك الكلي قريباً من الثبات وهو مامثلته الموشرات في الشكل. كذلك يمكن ان يتضمن هذا الاحتمال تفسيرا اخر ومفاده بان السوق في هذه البلدان قد تشبعت بالاجهزة الكهربائية والمصانع واجهزة التكييف وغيرها منذ ثمانينات القرن المنصرم وتحول النمو في هذه الحالة من زيادة عدد الأجهزة إلى رفع كفاءة الأجهزة عبر الاستبدال.

 فبدلا من شراء جهاز تلفزيون اضافي للبيت يتم شراء تلفزيون كبير بكفاءة عالية او عدة اجهزة تلفزيون ولكن بنفس كمية الاستهلاك للجهاز القديم. وهذا ما يمكن ان يفسر حالة استقرار كمية الطلب على الطاقة في هذه البلدان ويمكن ان يطابق ما اشارت له وكالة الطاقة الدولية في الملخص التنفيذي للكهرباء لها لسنة 2025 من ان مكاسب الكفاءة في مختلف قطاعات الاستخدام النهائي، وخاصة الإضاءة والأجهزة، كانت أحد الأسباب الرئيسية لاستقرار الطلب في الاقتصادات المتقدمة. الوجه الاخر من التفسير للظاهرة المدروسة هو ان هذه البلدان مرت وتمر بمراحل تحول من اقتصاد الصناعات الثقيلة الى اقتصاد الخدمات. 

فبعد عقود طويلة مرت على هذه البلدان طورت فيها اقتصادها الصناعي عبر مصانع الحديد والصلب والالمنيوم والاسمنت والبتروكيمياويات والتعدين والصناعات الثقيلة وغيرها, انتقل توجه هذه الامم الى اقتصاد الخدمات عبر خدمات التسويق والتجارة والمصارف والاتصالات والتعليم والسياحة والخدمات الحكومية وغيرها. 

ويمكن ان يحمل هذا الاحتمال تفسيرا اضافيا الا وهو اعتماد هذه البلدان على مايعرف بظاهرة الاستعانة بمصادر خارجية (Outsourcing) وتعبر عن نقل الصناعة من بلدان تكون فيها كلفة المنتج عالية الى بلدان اخرى تكون فيها صناعة نفس المنتج ذات كلفة اقل. فالمستهلك الاوروبي او الامريكي او الياباني يشتري منتجا من مصنع يتبع من حيث الملكية لمواطنيه لكنه يقع في دول الصين والهند ودول شرق اسيا الاخرى وبالتالي فان كمية الطاقة المستهلكة انتقلت من دولة لاخرى.

 وبسبب هذه السياسة فان اوروبا والولايات المتحدة واليابان ازاحت الكمية الطاقة المستهلكة من الكهرباء الخاصة بها الى اقتصادات اخرى وهذا مايعكس التفاوت في مستويات الاستهلاك العالمي السنوي للطاقة والذي وضحها الشكل السابق. وتجدر الاشارة انه ومن خلال تغيير انواع الاقتصاد واعتماد استراتيجيات مختلفة في الصناعة وزيادة الموارد ارتفع الناتج المحلي الاجمالي للدول الاوروبية والولايات المتحدة واليابان من دون زيادة في كميات الكهرباء المستهلكة. 

وهذا التفسير اوردته الوكالة الدولية في ملخصها من أن إعادة هيكلة الاقتصادات ونقل بعض الصناعات الثقيلة كانا من العوامل وراء ركود الطلب على الكهرباء في الاقتصادات المتقدمة. 

وكل هذه التحولات والتطورات في الاقتصادات واساليب ادارة الصناعة والتجارة في دول العالم لم تحدث لولا التعديلات الجوهرية في التشريعات الموضوعة والاستراتيجيات المستهدفة. وباسقاط التفسيرات والاحتمالات التي طرحها المقال على الواقع العراقي فان مؤشر استهلاك الطاقة الكهربائية في العراق يشهد ازديادا مضطردا عاكسا دخولا غير منظم لمعنى كهربة الاقتصاد في العراق.

 فعلى خلاف الاقتصادات المتقدمة، لا يزال العراق في مرحلة نمو الطلب على الكهرباء، الأمر الذي يجب ان يدفع لجعل هدف مشروع قانون الطاقة المتجددة المراد تشريعه قريبا ليس تقليص الطلب على الكهرباء المنتجة بالوقود الاحفوري وسد الفجوة بين الانتاج والاستهلاك، وإنما تلبية الطلب المتزايد بطريقة أكثر كفاءة واستدامة وأقل اعتماداً على الطرق التقليدية. 

ومن هنا تبرز الحاجة الى صياغة قانون تنظيم الطاقة المتجددة وتعديل قانون الكهرباء الحالي في العراق بشكل يلائم متطلبات المرحلة ويواكب تطورات العصر لضبط كهربة الاقتصاد عراقيا وجعلها اكثر كفاءة.

 فتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الاحفوري وزيادة كفاءة الكهرباء المستخدمة وخفض الطلب المتزايد وتنظيم استخدام انظمة التوليد عند المستهلكين المرتبطة بالشبكة كلها يجب ان تكون اهداف قوانين الطاقة في العراق. فالتدقيق على طبيعة الاجهزة المستخدمة من قبل المستهلك العراقي عند استيرادها وكيفية توظيفها بان تكون اكثر كفاءة واقل استهلاكا للكهرباء سيسهم في خفض الطلب ويعمل على زيادة ساعات تجهيز الكهرباء.

 كذلك الاستخدام الامثل لانظمة الالواح الشمسية المنزلية والتجارية والصناعية الحكومية منها والخاصة يسهم بشكل كبير في خفض وتقنين نسب استهلاك الكهرباء. اضافة الى ذلك ينبغي على المشرع عند تنظيم القوانين الجديدة والمعدلة ان تاخذ في حساباتها الحث على اطلاق مبادرات تشجع المجتمع العراقي على التفكير في تصاميم المباني ذات العزل الحراري واتمتة تشغيل الاجهزة الكهربائية واستخدامها بشكل ذكي. 

و يجب ان لا يغيب عن ذهن المشرع العراقي في اطلاق اليد للدور الرقابي على الجهات الصناعية والتجارية الحكومية منها والخاصة في تمكين الاستخدام الاكثر كفاءة للطاقة. ورغم افتقار العراق حاليا لاقتصاد الصناعات المقنن الا انه لا يوجد مانع ايضا من التفكير في تطوير وتبني اقتصاد الخدمات بشكل موازي لغرض توفير الامن الطاقوي والاقتصادي للامة العراقية . وبعد كل ماطرح لابد من طرح سوال يراود ذهن المتتبع للشان الطاقوي والاقتصادي في العراق وهو يسمع بالمبادرات وقرب صدور تشريعات تعنى بمجال الطاقة والسوال هو "ما طبيعة النظام القانوني الذي يسمح للعراق بتحقيق أي هدف متجدد يقرره التخطيط الوطني، مع ضمان الاستثمار، والربط بالشبكة، والتعرفة، والقياس، والتسوية، والاستقرار، والتخزين، والكربون، وحماية المستهلك؟"

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن