أحمد حسن
كنت أمشي في باريس وأتطلع إلى التظاهرات التي خرج فيها طلاب الثانويات، فوجدت نفسي، على نحو مفاجئ، أعود إلى بغداد. ما كان المنظر واحدا بالطبع، وفرنسا ليست العراق، والطلاب الفرنسيون الذين يخرجون منذ منتصف سبتمر 2026 إلى الشارع لا يعيشون الظروف نفسها التي عاشها العراقيون بعد 2003 وايضا المطالب مختلفة، والدولة مختلفة، وطبيعة النظام السياسي مختلفة، لكن هناك شيئاً في صورة شاب صغير يخرج من المدرسة إلى الشارع، يحمل صوته ولا يعرف بعد ماذا يمكن أن يفعل به، أعاد إلي صوراً قديمة من العراق. تذكرت تظاهراتنا.
تذكرت 2011، ثم السنوات التي تلتها، وصولاً إلى تشرين 2019، حين نزل الشباب العراقيون إلى الشوارع بأعداد كبيرة، وقت بدا للحظة أن جيلًا جديداً يريد أن يقول شيئاً مختلفاً تماماً عن اللغة التي أعتادتها الطبقة السياسية منذ 2003 كان في ذلك الجيل شيء من الغضب، وشيء من البراءة، وشيء من الشجاعة، وكان هناك أيضاً شيء أخطر بالنسبة إلى السلطة؛ الاستقلال، فالاحتجاج يغدو أكثر إزعاجا للسلطة وقتما لا يكون له أب سياسي معروف، ولا زعيم يتسنى التحدث باسمه، ولا حزب يستطيع احتواءه، ولا مؤسسة بمقدورها التفاوض معه من خلف الستار.
قبل أن تصل السلطة إلى مرحلة استيعاب الاحتجاج، كانت قد استخدمت القتل والاعتقال والخطف والتخويف والتشويه، وسقط مئات المتظاهرين، وأصيب عشرات الآلاف، واختُطف ناشطون واختفى آخرون، ولم يقتصر القمع سوى رد فعل عرضي على التظاهرات، وهو في الواقع كان جزءاً من محاولة كسر القوة التي أنتجتها تشرين.
لكن القتل وحده لم يغدو كافياً لإنهاء الاحتجاج، ولذلك جاءت مرحلة أخرى أكثر هدوءاً؛ مرحلة الاحتواء والاستيعاب. هنا أصل إلى المفهوم الذي أسميه؛ التخنيث السياسي للاحتجاج.
أستخدمها بمثابة استعارة سياسية عن تحويل القوة المتمردة إلى قوة خاضعة؛ أي تفريغ الاحتجاج من قدرته على الاعتراض، ثم أحياء توليده داخل النظام الذي خرج أصلًا للاعتراض عليه.
وهذا المعنى يقترب مما تسميه بعض الأدبيات السياسية بالـ"political emasculation"، أي إفراغ القوى الاجتماعية من استقلالها وقدرتها على مواجهة السلطة، وهي عملية ترتبط أحيانًا بما يعرف بـ"co-optation"، أي الاستيعاب أو الاحتواء السياسي.
والسلطة لا تلجأ دائماً إلى قتل الاحتجاج، في كثير من الأحيان يكون من الأفضل لها أن تروضه ولا تحتاج دائماً إلى السجن ويمكنها أن تمنح بعض الوجوه مساحة في الإعلام، أو موقعاً في منظمة، أو منصباً استشارياً، أو مشروعاً ممولاً، أو قرباً من مركز سياسي، أو فرصة للظهور بوصفهم “نشطاء” و”قادة” و”خبراء” و”ممثلي المجتمع المدني”.
هكذا يتحول الاحتجاج من فعل جماعي إلى سيرة ذاتية، ويتحول الشارع إلى بطاقة تعريف، ويتحول المتمرّد إلى “ناشط”، ثم يصبح الناشط “خبيراً”، ثم يغدو الخبير جزءاً من شبكة المؤسسات التي كانت الحركة تحتج عليها، وعند هذه النقطة لا تختفي الثورة تماما ، والأدق ان تؤول نسخة أكثر هدوءاً منها، نسخة يمكن للسلطة أن تتعامل معها.
القمع قد يصنع شهيداً، والشهيد قد يصنع ذاكرة، والذاكرة قد تصنع جيلا جديداً، أما الاستيعاب، فهو أكثر هدوءاً، يمكنك أن تستوعب خصمك بدل أن تسجنه، ويمكنك أن تمنحه منبراً بدل أن تمنعه من الكلام، ويمكنك أن تمنحه دوراً بدل أن تمنحه زنزانة، وثم تترك الزمن يفعل الباقي، وهذا ما أسميه التخنيث السياسي، هو أن تأخذ القوة الموجودة في الاحتجاج وتعيد توجيهها، وأن تجعل من كان يهتف ضد السلطة يتحدث معها، وأن تجعل من كان يرفض الأحزاب يقترب منها، وأن تجعل من كان يطالب باستقلال القرار المدني يبحث عن موقع داخل المنظومة نفسها. وهذا ما يجعلني متحفظًا جداً أمام عبارة “قادة تشرين”، ومن هم قادة تشرين؟ وهل كان هناك مكتب مركزي لتشرين؟ هل كانت هناك قيادة واحدة أعطت الأوامر للناس؟ هل كان الملايين الذين خرجوا إلى الشوارع ينتظرون تعليمات مجموعة من الأشخاص؟ بالطبع لا.
كان هناك ناشطون وشخصيات مؤثرة ووجوه إعلامية ومنظمات ومجموعات شبابية، وهذا طبيعي في أي حركة اجتماعية كبيرة، لكن تحويل هؤلاء لاحقا إلى “قادة تشرين” قد يكون في حد ذاته جزءًا من عملية اختزال الحركة، تشرين ما كانت شخصًا، هي كانت فكرة وهذه الفكرة لا يمكن أن يمتلكها أحد، ربما كان الخطأ الأكبر الذي وقع فيه بعض أبناء تشرين هو قبول تحويل التجربة إلى ملكية شخصية وأن يقول شخص: أنا تشرين.
أشخاص بدأوا حياتهم السياسية من الشارع، ثم صاروا يتحدثون عن الشارع من موقع مختلف، أشخاص كانوا يرفضون الزعامات الحزبية، ثم أصبحوا أقرب إليها، وأشخاص كانوا ينتقدون النظام السياسي، ثم صاروا جزءًا من المجال الذي يدافع عنه، وبعضهم دخل مؤسسات ومنظمات ومراكز بحثية وواجهات مدنية مرتبطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، بقوى سياسية، لكنني أتحدث عن ظاهرة أكبر من الأفراد: كيف تتحول المعارضة إلى وظيفة؟
هذا هو استفسار واقعي، لان وقت يؤول الاحتجاج مهنة، يمكن أن يفقد جزءاً من قدرته على الاحتجاج، وحالما يصبح “الناشط” هوية دائمة، قد يصبح الحفاظ على الهوية أهم من الحفاظ على القضية، وبذلك تستأنف السلطة في ربح المعركة من دون أن تطلق رصاصة.
لكن من هذه الزاوية أيضاً تأتي قوة تشرين، لأن تشرين ما كانت صرفة الوجوه التي ظهرت في التلفزيون وما كانت حصرا الساحات، ولم تكن صرفةً خيام الاعتصام، هي كانت لحظة اكتشف فيها جيل عراقي أنه بمقدره أن يقول “لا”، وهذه المعرفة لا يمكن انتزاعها بسهولة، وقد يخضع شخص، وقد يساوم شخص، وقد يتغير شخص، وقد يؤول شخص جزءاً من النظام، لكن فكرة أن المواطن يقدر أن يخرج ويعترض لا تموت بخضوع فرد.
تشرين فكرة
والأفكار لا تُعتقل، ولقد حاولت السلطة في العراق أن تفعل أشياء كثيرة بالاحتجاج، القمع بواسطة القتل المباشر رميا في الرصاص في الساحات والاعتقال والخطف و التخويف والتشويه والتجاهل، والاحتواء، وأحيانا صناعة بدائل عنه، لكن أخطر هذه الأساليب هو أن تجعل المحتج نفسه جزءاً من البنية التي كان يحتج عليها، وقت لا تحتاج السلطة إلى هزيمته، اذ يكفي أن تغير موقعه، من الشارع إلى المكتب ومن الهتاف إلى المقابلة التلفزيونية ومن الاعتراض إلى التبرير، من الاستقلال إلى التبعية، ومن القوة إلى الخضوع، وهذا هو معنى ومضمون “التخنيث الذي أقصده، وهذا التوصيف لا يعني إهانة للأشخاص، وإنما وصف لعملية سياسية؛ تحويل قوة الاحتجاج إلى طاقة خاضعة وقابلة للإدارة.
لكنني، رغم كل هذا، لا أعتقد أن تشرين انتهت، لأنني رأيت اليوم في باريس طلاباً يخرجون من مدارسهم إلى الشارع، ورأيت في الصورة شيئًا يجعلني أعود إلى بغداد، إلى الشباب وإلى الخوف وإلى الشجاعة وإلى اللحظة التي يقرر فيها شخص صغير أن السلطة ليست قدرًا أبدياً، وقد يأتي يوم يخرج فيه طلاب المدارس الثانوية في العراق، لا ليعيدوا تشرين كما كانت، وإنما ليصنعوا احتجاجاً جديدا يتجاوزها، وعندها لن تنفع كثيرًا أسماء قادة تشرين.
أما الذين حاولوا تحويل الاحتجاج إلى ملكية شخصية، أو إلى وظيفة، أو إلى مؤسسة، أو إلى منصة، فسيكتشفون في النهاية أن الشارع لا يملك أحداً، وتشرين ليست أشخاصاً، وتشرين فكرة، والفكرة، مهما حاولوا تخنيثها، ستولد من جديد كلما وجد جيل عراقي شاب سببا ليقول؛ لا.