يسعى الكثيرون إلى المسؤولية، بعضهم يراها طموحاً مشروعاً وامتداداً طبيعياً لمسار العمل والرغبة في التطوّر المهني.
وآخرون يتعاملون معها بوصفها غنيمة، تتوزّع كمكاسب أو استحقاقات تفرضها موازين السياسة، لا بالضرورة ما يفرضه الأداء أو الكفاءة.
بين هذين المعنيين، يتشكّل السؤال الجوهري: ماذا يعني أن تكون مسؤولا؟
في النظرة السطحية، تبدو المسؤولية مركزاً اجتماعياً يمنح القوة والهيبة، موقعاً للاستعراض وبوابة لموارد مختلفة من العلاقات والمكاسب المادية والرفاهية المفترضة، تحيط به الحمايات والمواكب والأعلام والتبجيل، صورة جذّابة، لكنها لا تمثّل إلا الوجه الأسهل والأكثر اختزالاً للمسؤولية.
في معناها الأعمق، أن تكون مسؤولاً يعني أن تدخل مساحة يتغيّر فيها معنى العمل نفسه، إذ ينتقل الدور من الروتين الوظيفي إلى القيادة ويتحوّل الفعل إلى أثر وتصبح كل خطوة محمّلة بما يتجاوز صاحبها.
هنا تُقاس المسؤولية بوزن ما يُلقى عليها من تبعات، فكلما ارتفع الموقع، اتّسعت معه دائرة المخاطر وقلّ هامش الخطأ، وأصبح القرار الواحد قادراً على محو سنوات من العمل، عند هذا المستوى لا يبقى الخطأ شأناً شخصياً، إنما يتحوّل إلى حدثٍ اجتماعي وربّما إلى أزمةٍ تطال سمعة المسؤول ومؤسسته وعائلته ودائرته القريبة، وقد تمتدّ إلى مجتمعه.
بهذا المعنى، يتجاوز المنصب البعد الإداري ليغدو اختباراً دائماً للتماسك النفسي والقدرة على الاحتمال. فالمسؤول لا يُحاسَب على ما يفعل فقط، وإنما على ما يُفهم من فعله ايضا، وعلى ما يُنسب إليه أحياناً خارج سياقه الحقيقي.
في العراق، يتضاعف هذا المعنى، فالمسؤول غالباً يعمل داخل فضاء تتداخل فيه الدولة مع المجتمع والقرار مع التأويل والانتماء مع التوقّعات، فأي خطوة قد تُقرأ اصطفافاً، وأي صمت قد يُفسَّر ضعفاً، وأي مبادرة قد تُحسب مغامرة في ميزان شديد الحساسية.
في هذا السياق تعيد المسؤولية توزيع الحياة على نحو قاسٍ، يقلّ الوقت المتاح للعائلة وتتراجع المشاركة الاجتماعية ويُستبدل الحضور الشخصي بواجبات لا تنتهي.
هذا الثمن يكون من طبيعة الدور وكم الالتزامات والجهد المضاعف وما يتبعه من التزامات رسمية خارج نطاق العمل الروتيني.وقد لا يُقاس أداء المسؤول بما ينجزه من التزامات مهنية بقدر ما يُقاس بما ينجو منه ، فالحذر يصبح جزءاً من العمل اليومي وإدارة التوازنات تتحوّل أحياناً إلى مهمة أكثر تعقيداً من إدارة ملفات العمل. ومع ذلك، تبقى المسؤولية ضرورة فالدولة لا تُدار بالانسحاب ولا يُعالج الخلل بالفراغ.
ومن يقرأ، ما ذكر أعلاه، يدرك تماماً أن الواقع أفرز مساراً آخر للمسؤولية، تحوّلت فيه إلى غنيمة، موقع يوفّر رفاهية شخصية أو قناة لضمان الرضا الحزبي أو أداة لإدارة مصالح تُغلَّف بتبرير إداري أو غطاء قانوني.
في هذا المسار فقد المنصب معناه العام و بات يتحول في العقل الجمعي من أداة خدمة إلى مورد نفوذ.
هذا التراكم أفرز أزمة ثقة حقيقية بين المجتمع والمسؤول، اذ لم يعد المواطن ينظر إلى صاحب المنصب بوصفه ممثلاً للصالح العام، وإنما كطرف في شبكة مصالح، أو كمن يستثمر الموقع لحسابات خاصة،ومع تكرار التجربة، أصبح الشك سابقاً على الأداء، والحكم جاهزاً قبل الفعل.
في هذا المناخ، تصبح سيرة المسؤول، مهما كانت طويلة ومليئة بالمنجزات، هشّة أمام لحظة واحدة، خطأ واحد، أو تقدير غير محسوب، قد يطغى على سنوات من العمل، ويعيد تعريف التجربة كلها في الوعي العام.
الذاكرة الجمعية تختصر وتحتفظ بما يهزّها أكثر مما تحتفظ بما خدمها بهدوء.
فأن تكون مسؤولاً يعني أن تبدأ من موقع الاتهام لا البراءة، الثقة لا تُمنح ابتداءً، وإنما تُنتزع عبر زمن طويل من الأداء المتّزن، ويزداد هذا الثقل عندما يكون المسؤول بلا حزب أو سند سياسي، فيبدو كمن يتحرّك في فراغ، لا يتكئ على شيء ثابت، ولا يعرف أي عاصفة قادمة قد تطيح بكلِّ ما بناه.
في هذه البيئة، يدفع الجميع الثمن، المسؤول الجاد يجد نفسه محاصراً بصورة نمطية لم يصنعها، والمجتمع يفقد قدرته على التمييز، والدولة تخسر ما تبقّى من رصيد الثقة. ومع ذلك، لا يفقد الطموح معناه، فالسعي إلى المسؤولية يظل حاجة طبيعية وشرطاً من شروط البناء الشخصي والوطني، يحتاج رؤية واضحة، وصبراً طويلاً، واستعداداً لتحمّل كلفة القرار دون الاحتماء بالموقع أو الجمهور.
أن تكون مسؤولاً في العراق يعني أن تتحمّل النقد أكثر مما تتلقى الثناء، وأن تفهم أن العدالة مسار طويل، ويعني أن تدرك أن الإنجاز لا يُكافأ فوراً، لكنه وحده ما يبقى.عندها يكون العمل أعلى من الضجيج، والفعل أسبق من الصورة، بذلك يمكن ان تستعيد المسؤولية معناها. عندها يتحوّل المنصب إلى أمانة لا امتياز، وإلى التزام طويل النفس لا غنيمة عابرة. في هذا الفارق الدقيق، يتحدّد معنى أن تكون مسؤولا.