02 Apr
02Apr


 وهل هذا هو السؤال الصحيح؟ العراق اليوم لا يواجه أزمة تشكيل حكومة فقط، بل اختبار قدرته على البقاء خارج حرب لم يخترها.ليست المشكلة في العراق اليوم متى تتشكل الحكومة، بل في أي ظرف إقليمي ستتشكّل، وبأي قدرة ستواجه عالماً يزداد اضطراباً.

فما يجري في المنطقة لم يعد مجرد توتر سياسي أو صراع نفوذ تقليدي، بل مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة و(إسرائيل) من جهة، وإيران من جهة أخرى، تتوسع ساحاتها وتتنوع أدواتها، من الضربات الجوية إلى الرسائل الصاروخية المتبادلة.

وفي قلب هذه الجغرافيا المضطربة يقف العراق، لا بوصفه طرفاً قرر الدخول في هذه الحرب، بل بوصفه ساحة تتقاطع فوقها تداعياتها. 

بل يبدو أحياناً وكأن العراق دخل هذه المواجهة من دون قرار رسمي، فقط لأن موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية جعلاه في منطقة تماس بين مشاريع متصارعة.وهنا تكمن المعضلة الحقيقية:
فالدولة التي لم تختر الحرب تجد نفسها مضطرة لإدارة نتائجها.انسداد داخلي في لحظة إقليمية خطرةفي الداخل، لا تبدو الصورة أكثر اطمئناناً.فشل البرلمان في عقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، وتأجيلها إلى 11 نيسان، لا يمكن قراءته فقط بوصفه تعثراً سياسياً عادياً، بل يجب فهمه في سياق لحظة إقليمية حساسة تحتاج إلى أعلى درجات التماسك الداخلي.وهذا ما يفرض سؤالاً مختلفاً:


هل المشكلة في تأخر تشكيل الحكومة، أم في قدرة النظام السياسي على إنتاج استقرار حقيقي في هذا التوقيت تحديداً؟بل إن سؤالاً أكثر جرأة بدأ يُطرح بهدوء:


هل من الحكمة تشكيل حكومة جديدة بينما المنطقة تعيش على إيقاع المواجهة العسكرية المفتوحة؟فالحكومات التي تولد في ظروف مستقرة يمكن أن تنشغل ببرامجها، أما الحكومات التي تولد وسط الأزمات الكبرى فإنها تتحول تلقائياً إلى حكومات إدارة أزمات، سواء أرادت ذلك أم لم ترد.لا خيارات مثالية…

 بل خيارات أقل كلفةالحقيقة التي يجب الاعتراف بها بوضوح هي أن العراق لا يقف اليوم أمام خيارات جيدة وسيئة، بل أمام خيارات صعبة وأخرى أشد صعوبة.بمعنى آخر، نحن أمام مرحلة البحث عن الخيار الأقل كلفةلا الخيار المثالي.

وهذا يفرض إعادة ترتيب الأولويات:
فالسؤال لم يعد فقط من يشكل الحكومة، بل كيف يمكن حماية الدولة من تداعيات صراع أكبر من قدرتها على التأثير فيه؟

التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في قدرة أي حكومة قادمة على:

• تحييد العراق قدر الإمكان عن مسارات التصعيد 

• تقليل الكلفة الاقتصادية لأي توتر إقليمي

 • منع تحوّل الساحة العراقية إلى صندوق رسائل متبادلة

 • والحفاظ على وحدة القرار السيادي  خطاب ترامب… 

غموض محسوبفي هذا السياق، لم يأت خطاب دونالد ترامب الأخير بتحولات كبرى، لكنه لم يكن بلا دلالات.

فهو لم يذهب إلى حد الإعلان عن تصعيد شامل أو حرب برية، لكنه أيضاً لم يقدم مؤشرات حاسمة على قرب نهاية المواجهة. 

وهذا النوع من الخطاب يعكس ما يسمى في السياسة الدولية الغموض الاستراتيجي، وهو أحياناً أخطر من التصعيد نفسه.

فعندما تكون نهاية الصراع غير واضحة، تضطر الدول الواقعة ضمن نطاقه الجغرافي إلى التعامل مع احتمال استمراره، لا مع فرضية انتهائه.وهذا تحديداً ما يضع العراق أمام اختبار صعب:
كيف يحقق استقراراً سياسياً داخلياً في وقت قد يطول فيه عدم الاستقرار الإقليمي؟ا

لواقعية السياسية… طريق النجاة الوحيدما يحتاجه العراق اليوم ليس المزيد من الخطابات الحادة، ولا الصراعات السياسية التقليدية، بل قدر كبير من الواقعية السياسية.واقعية تدرك أن تأخير تشكيل الحكومة يحمل مخاطر،
لكن تشكيل حكومة ضعيفة في لحظة إقليمية خطرة قد يحمل مخاطر أكبر.

واقعية تدرك أيضاً أن الخلافات الشخصية لم تعد ترفاً سياسياً يمكن تحمله، لأن كلفة الانقسام الداخلي ترتفع كلما ازدادت الضغوط الخارجية.

البوصلة التي لا يجوز أن تضيعفي مثل هذه اللحظات، يجب أن تكون هناك بوصلة واحدة فقط:
مصلحة العراق أولاً.

ليس مهماً من يتقدم في الترتيبات السياسية،
ولا من يخسر جولة تفاوض،
ولا من يفرض شروطه.المهم هو سؤال واحد فقط:
هل ما يجري يقرب العراق من الاستقرار… أم يضاعف هشاشته؟فالتاريخ لا يتذكر تفاصيل الصراعات السياسية الصغيرة،
لكنه يتذكر من منع انهيار الدول عندما كانت تمر بأخطر مراحلها.

الخلاصة

العراق اليوم لا يحتاج إلى انتصارات سياسية صغيرة، بل إلى قرارات كبيرة تمنع خسارة أكبر.وقد لا يملك العراق خياراً مثالياً في هذه اللحظة،
لكنه ما زال يملك خياراً واحداً حاسماً:أن يضع مصلحة الدولة فوق كل ما عداها، لأن حكمة القيادات في لحظات الخطر لا تُقاس بما تحققه من مكاسب، بل بما تمنعه من خسائر. 

سامي العسكري
كاتب عراقي مهتم بقضايا الدولة  

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن