بقلم: الدكتور محمد مرعي الخزعلي
أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الإمام جعفر الصادق (ع)
تتشكل الأحلاف العسكرية تاريخياً وفق معادلة جغرافية وأمنية صارمة: جغرافيا متصلة، وتحشيد لمواجهة تهديد مباشر ومشترك يتجاوز قدرة الدولة الواحدة، وغالباً ما تكون هذه الأحلاف إقليمية النطاق. إلا أن المشهد الجيوسياسي الراهن يشهد نمطاً غير تقليدي من التعاون الأمني والعسكري المتنامي بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد؛ وهو محور عابر للأقاليم يجمع بين منطقة الخليج العربي، وشرق المتوسط، وجنوب آسيا.
هذا التقارب الثلاثي يطرح تساؤلات جوهرية حول الدوافع الحقيقية لشكله الراهن، وما إذا كان يمثل تحولاً هيكلياً في العقيدة الأمنية لهذه الدول، أم أنه مجرد تكتيك سياسي ومناورة ردع في ظل سيولة النظام الدولي ومخاوف الشركاء.
أولاً: شكوك الرعاية الأمريكية وتنويع الشركاء الاستراتيجيين تُعد الاتفاقية الأمنية والالتزام التاريخي الأمريكي بحماية أمن الخليج ركيزة أساسية في الاستراتيجية السعودية لعقود.
غير أن المراجعات المستمرة لسلوك واشنطن الخارجي — وتأرجح مواقفها بين الانسحاب التدريجي والاشتراطات السياسية لنقل السلاح — ولّدت قناعة لدى صانع القرار في الرياض بأهمية "تنويع الشركاء الاستراتيجيين" ورفض الارتهان لمظلة أمنية واحدة قد تخضع للتجاذبات السياسية الداخلية في واشنطن.
إن التحرك نحو تركيا وباكستان لا يعني قطع الروابط مع واشنطن، بل يعكس استراتيجية "تحوط استراتيجي" (Strategic Hedging)؛ حيث تسعى السعودية إلى بناء شبكة أمان متعددة طبقات الحماية، تمنحها مرونة أكبر في اتخاذ القرار وتزيد من أوراق الضغط السياسية والعسكرية في الإقليم.
ثانياً: تكامل مقومات القوة (المال، التكنولوجيا، والردع النووي) عند تفكيك عناصر هذا الثلاثي، يتضح أن العلاقات تقوم على مبدأ التباديل والتوافق في المصادر والاحتياجات: السعودية (رأس المال والغطاء الجيوسياسي): تمتلك القدرة المالية الضخمة، والمركزية السياسية والدينية في العالم الإسلامي، فضلاً عن ثقلها في أسواق الطاقة العالمية.
تركيا (التكنولوجيا والصناعات العسكرية المتقدمة): أثبتت الصناعات الدفاعية التركية (مثل الطائرات المسيرة كـ "بيرقدار" و"آكينجي"، أنظمة الدفاع الجوي، وأنظمة الحرب الإلكترونية) كفاءة عالية في ميادين مختلفة.
وتمتاز أنقرة بنقل التكنولوجيا وتوفير السلاح دون اشتراطات سياسية معقدة، وهو ما تلتقي فيه مع تطلعات السعودية لتوطين 50% من إنفاقها العسكري في إطار رؤية 2030.
باكستان (الردع النووي والخبرة العسكرية): تُشكل إسلام آباد الجناح النووي الوحيد في العالم الإسلامي، وتملك جيشاً نظامياً مدرباً وبنية عسكرية ذات خبرة عريضة في الحرب التقليدية ومكافحة الإرهاب.
ويمتد التعاون العسكري السعودي-الباكستاني لعقود من التدريب والتسليح والاتفاقيات الأمنية الثنائية.
ثالثاً: البعد الهوياتي مقابل الواقعية السياسية رغم أن الدول الثلاث تنتمي إلى أغلبية إسلامية سنية، إلا أن تفسير هذا التقارب بمنظور طائفي ضيق يغفل منطق "الواقعية السياسية" (Realpolitik).
فالعلاقات الدولية الحديثة تُدار بالمصالح المباشرة لا بالروابط العاطفية أو الهوياتية فقط. الغطاء الإسلامي يمنح هذا التقارب شرعية شعبية وقوة ناعمة في العالم الإسلامي، لكن المحرك الأساسي هو المصلحة الوطنية المتبادلة.
فتركيا تبحث عن استثمارات وزيادة التبادل التجاري لإنعاش اقتصادها، وباكستان تحتاج لدعم مالي واستثماري لإنقاذ اقتصادها المجهد، بينما تسعى السعودية للحصول على التكنولوجيا الحيوية وتأمين التوازنات العسكرية وتوطين الصناعات الدفاعية.
رابعاً: اختبار التهديدات.. إيران، الفصائل عابرة الحدود، وسلاح المضايق لا يستهدف هذا التقارب عدواً واحداً بحد ذاته بقدر ما يستهدف مواجهة حالة "عدم اليقين" في المنطقة، وتتحدد موقفي تركيا وباكستان وفق معطيات التهديد كالتالي:
1. التهديد الإيراني المباشر: تدرك الرياض الحسابات الجيوسياسية لشركائها؛ فباكستان ترتبط بحدود برية طويلة ومتوترة مع إيران (بلوشستان) وتضم نسبة من المكون الشيعي (15-20%) تجعلها تحاذر الانزلاق لصراع مذهبي (كما ظهر في قرار البرلمان الباكستاني لعام 2015 بالحفاظ على الحياد)، بينما تحافظ تركيا على علاقة تنافسية ضبطية (Competitive Coexistence) مع طهران.
بالتالي، فإن القيمة الحقيقية للتحالف في مواجهة إيران لا تتجسد في خوض "قتال نيابي" أو شن هجمات داخل إيران، بل في توفير مظلة ردع دفاعية، وتغطية استخباراتية، وحماية للحدود والعمق السعودي.
2. الفصائل المسلحة غير الحكومية (في العراق، لبنان، واليمن): في حال استهداف المملكة من قبل الفصائل عابرة الحدود، يكمن الدور التركي في التفوق الاستخباري والتكنولوجي (مسيرات، أنظمة رادار، وحرب إلكترونية) لتحييد المنصات المتحركة، لا سيما وأن أنقرة تتلاقى مصالحها مع الرياض في إضعاف نفوذ الفصائل بالعراق وسوريا.
بينما يتركز الدور الباكستاني في إرسال الخبرات والأنظمة الدفاعية الجوية والبرية لحماية المنشآت الحيوية والمقدسات داخل الأراضي السعودية، مع الامتناع عن ضرب هذه الفصائل داخل دولها الأصيلة تفادياً للارتدادات المذهبية.
3. احتمالات استخدام "سلاح المضايق" (هرمز وباب المندب): إن أي لجوء من إيران أو الجماعات التابعة لها لاستهداف الملاحة سيمس مصالح الحلفاء مباشرة؛ فهو يقطع شريان الطاقة عن باكستان ويضر الملاحة والتجارة التركية عبر البحر الأحمر وسويس. هذا السيناريو سيحول الحلف إلى قوة عملياتية تدعم التدويل واستدعاء التحالفات البحرية الدولية لحماية حرية الملاحة، مما يجعل استخدام هذا السلاح مجازفة عالية الكلفة تنتهي بعزلة خصوم الحلف وتدمير بنيتهم البحرية.
4. مواجهة الفراغ الاستراتيجي: التأهب لأي سيناريو ينجم عن تراجع الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط أو تحول اهتمام واشنطن نحو صراعات أخرى كالمحيط الهادئ أو شرق أوروبا.
خامساً: التوجس الأمريكي والإسرائيلي وضوابط الأمن القومي يُثير هذا التكتل استنفاراً وتوجساً لدى واشنطن وتل أبيب: الموقف الأمريكي: تنظر واشنطن للتقارب بمزيج من القلق من فقدان احتكار المظلة الأمنية واختراق نقل التكنولوجيا غير المراقبة، والارتياح التكتيكي لخلق ردع إقليمي يُخفف الأعباء عن الكاهل الأمريكي بوجه إيران دون الحاجة لإقحام قوات أمريكية إضافية.
الموقف الإسرائيلي: تتوجس تل أبيب من الربط بين "الردع النووي الباكستاني" و"المال الخليجي" و"التكنولوجيا التركية"، لما يمثله ذلك من كسر لاحتكار الحماية وإخلال بالتفوق العسكري النوعي (QME) الإسرائيلي.
ورغم عدم وجود تعهدات علنية من الحلف لتل أبيب، إلا أن الطبيعة الدفاعية الصريحة للحلف والكبح الأمريكي المباشر تجعل هذا التكتل مركّزاً على الأمن الخليجي الداخلي والردع الإقليمي بدلاً من المواجهة المباشرة مع إسرائيل. سادساً: العمر الاستراتيجي للتحالف إن تقييم العمر المتوقع للتحالف يتحدد وفق مسارين: كـ "تحالف ردع عسكري وازن": يُقدر عمره التشغيلي المباشر بين 7 إلى 10 سنوات؛ وهي الفترة الكافية لإعادة ترتيب الأوراق الإقليمية وتوطين القدرات الدفاعية الذاتية في المملكة وتجاوز مرحلة سيولة النظام الدولي.
كـ "شبكة شراكة أمنية، صناعية، واستخبارية": من المرجح أن يستمر لعقود طويلة؛ لأنه يتحول هيكلياً من حلف عسكري موجه لتهديد محدد إلى تكتل شبكي قائم على التنسيق الاستخباري والتكامل الصناعي والعسكري المستدام. خاتمة إن التعاون الأمني بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد ليس خروجاً شاذّاً عن قواعد الأحلاف التقليدية فحسب، بل هو انعكاس طبيعي لعالم يتجه نحو التعددية القطبية. لقد أثبتت التحولات الراهنة أن الحماية المطلقة لم تعد يُمكن شراؤها من عاصمة واحدة، بل تُصنع عبر شبكة محكمة من التحالفات المتقاطعة المصالح، التي تحقق التوازن وتفرض الردع دون الارتهان للغير.