منتصر صباح الحسناوي
في يومٍ جميل جمعنا بأحد النخب السياسية، جلسنا بوصفنا ممثلين لمراكز الأبحاث، ومثقفين، ومهتمين بالشأن العام. كان الحوار هادئاً في ظاهره، متنوعاً في موضوعاته، حتى جاءت لحظةٌ اختصرت المشهد كله.
التفت إلينا وسأل، بلهجةٍ بدت عفوية: هل توجد في العراق مراكز أبحاث معتمدة فعلاً؟ ساد الصمت لثوانٍ، لا لغياب الإجابة، بل لثقل المفارقة.
معظم الحاضرين كانوا يديرون مراكز معروفة، تنتج دراسات، وتعقد مؤتمرات، وتتابع الشأن السياسي والاجتماعي يومياً.
السؤال لم يكن استفساراً بقدر ما كان كشفاً عن مسافةٍ خفية بين عالمين؛ عالمٍ يكتب ويحلل، وعالمٍ يقرر ويمضي.
من تلك اللحظة، يبدأ هذا السؤال الأكبر: إلى أين تمضي مراكز الفكر والمعرفة في العراق؟العراق تزخر فيه المساحات التي تحاول أن تفهم وتفسر وتقدّم مقترحات، مؤسسات تنوعت ما بين الثقافية والسياسية والاجتماعية وبينها وحولها … تمثل نماذج لجهدٍ متراكم يسعى إلى قراءة الواقع بعيونٍ علمية.
تقارير تُكتب، أوراق تُناقش، توصيات تُصاغ بعناية، وصورةٌ عامة توحي بأن المعرفة تسير في طريقها الطبيعي نحو التأثير.
غير أن التفاصيل تكشف شيئاً مختلفاً.
المعرفة في العراق تُنتج، لكنها لا تجد دائماً طريقها إلى القرار، السلسلة التي يفترض أن تبدأ بالسؤال وتنتهي بالتطبيق، تتوقف غالباً عند حدود التوصية.
ما يُكتب يتحول إلى مادةٍ قابلة للنقاش او الاطار الذي يجمل الفعل الاخر ، لا إلى أداةٍ مُلزمة للفعل.
ومع تكرار هذا النمط، تتراكم الدراسات كما تتراكم الكتب على رفوفٍ لا تمتد إليها يد القرار.
في الواقع، تتحرك السياسة وفق منطقٍ آخر، القرار لا يتشكل من بعد معرفي مخطط بقدر ما ينتج داخل شبكةٍ معقدة من التوازنات.
تتقدم اعتبارات المصالح والمشاركة، وتُعاد صياغة الأولويات وفق ما يحفظ هذا التوازن. في مثل هذه البيئة، لا تكون الدراسات الرصينة هي اللغة المشتركة بين الأطراف، إذ تبحث السياسة عن الممكن في اللحظة الراهنة، بينما يذهب البحث نحو ما ينبغي أن يكون على المدى الأبعد، يتقاطع المساران ويظل اللقاء بينهما محدوداً.
هذا الامر يضع نتاجات تلك المراكز اقرب الى رفوف المكتبات التي تزين بيوت كثير من السياسيين، كثير من الدراسات تُستحضر بعد اتخاذ القرار، لتمنحه تفسيراً أو غطاءً معرفياً.
الفكرة هنا لا تقود الفعل، بل تواكبه متأخرة او جمالية مؤطرة له. ومع الوقت، يتشكل وعيٌ ضمني بأن البحث جزءٌ من المشهد، لكنه ليس في مركزه.
تتسع الفجوة أكثر حين نقترب من طبيعة العلاقة بين الطرفين، جزء من الطبقة السياسية لم يتكوّن في بيئةٍ تجعل من البحث أداةً يومية للعمل.
التعامل مع الدراسات لا يزال خياراً، وليس حاجةً ملحّة. القراءة التحليلية والمقارنة بين البدائل وبناء القرار على معطياتٍ دقيقة، كلها ممارسات تحتاج إلى ثقافةٍ مؤسسية تضع المعرفة في قلب العملية السياسية.
وعندما تغيب هذه الثقافة، يظل السؤال الذي طُرح في تلك القاعة قابلاً للتكرار في أماكن أخرى.في المقابل، تعمل المراكز نفسها في مساراتٍ متوازية، كلّ مؤسسة تنتج وفق رؤيتها وتنظم فعالياتها وتنشر خلاصاتها، من دون أن تتكوّن شبكةٌ وطنية تجمع هذه الجهود في اتجاهٍ واحد. تتكرر الموضوعات، وتتوزع الطاقات، وتبقى القضايا الكبرى بحاجةٍ إلى عملٍ تراكمي منظم، فالتشتت لا يُلغي القيمة، لكنه بالتأكيد يضعف الأثر.
ثم يأتي عاملٌ آخر لا يقل أهمية: اللغة التي تُقدَّم بها المعرفة، كثير من الدراسات تُكتب بأسلوبٍ نخبوّي، يظل حبيس القاعات والملفات. لا يتحول إلى وعيٍ عام، ولا إلى رأيٍ قادر على التأثير في المزاج المجتمعي. وهنا تضيع فرصة أن تتحول المعرفة إلى قوة ضغطٍ ناعمة تدفع نحو التغيير.وفي مشهد المؤتمرات، تتكثف الصورة أكثر، قاعات ممتلئة، نقاشات عميقة، توصيات تُصاغ بعناية، ثم ينتهي كلّ شيءٍ بانتهاء الجلسة.
ما بعد المؤتمر يكاد يكون غائباً، لا مسار متابعة ولا تحويل للمخرجات إلى خطط عمل ولا تقييم لما تحقق. وكأن الجهد كله يُستهلك في لحظة العرض، دون أن يمتد إلى ما بعدها.
كلّ هذه التفاصيل تعود بنا إلى تلك اللحظة الأولى، إلى السؤال الذي بدا بسيطاً، لكنه كان كاشفاً. السؤال لم يكن عن وجود المراكز بقدر ما كان عن حضورها في الوعي السياسي.
عند غياب المعرفة عن هذا الوعي، تفقد جزءاً كبيراً من قدرتها على التأثير، مهما بلغت جودتها.
المشهد لا يخلو من الإمكان، العراق يمتلك طاقة معرفية واضحة ويملك مؤسسات تحاول أن تؤدي دورها، ويملك تجربة غنية يمكن البناء عليها. ما يحتاجه هو إعادة ترتيب العلاقة بين الفكرة والقرار. أن تتحول المعرفة من هامشٍ يُستأنس به إلى عنصرٍ يُبنى عليه.
ويبقى السؤال مفتوحاً، كما بدأ: إلى أين تمضي مراكز الفكر والمعرفة في العراق؟الإجابة تكمن في قدرتها على ايجاد طريقها إلى لحظة القرار. هناك، فقط، تتحول الفكرة من نصٍ مكتوب إلى واقعٍ يُعاش.