03 Jun
03Jun


كتب رياض الفرطوسي


حين عُثر على جثة الكاتب الروسي المتمرد إدوارد ليمونوف مجازياً ( موت معنوي وثقافي ) تحت مقصلة التشويه، أو عندما استيقظ العالم على اغتيال المفكر والروائي الجزائري الطاهر جاووت في تسعينيات القرن الماضي على يد قوى الظلام وله قول مأثور "إذا تكلمت تموت، وإذا سكتّ تموت.. إذن، تكلّم ومُت"، تيقّن الجميع أن طعن القلم وفضحه لتحالفات الفساد والمافيات العقائدية والمالية يحمل ضريبة واحدة دائماً.

 تلك الاغتيالات التي تنتهي بترك أجساد المبدعين في زوايا مهملة، لم تكن مجرد تصفية جسدية، بل كانت محاولة بائسة لطمر الحقيقة في مكب النسيان، وإعلان صريح عن كراهية متجذرة في نفوس طغاة المال والسلاح ضد كل من يملك وعياً يتجاوز قطيعهم.


في المجتمعات التي تنخرها الحروب وتتآكلها الصراعات المستمرة، تنهار المنظومة القيمية ليحل محلها منطق الأرقام المشوهة.

 لم يعد اللص الصغير الذي يسطو على حافلة أو متجر يثير الاهتمام، بل بات يُنظر إليه كهاوٍ بريء في سوق الانحطاط؛ إذ قفزت المقاييس إلى خانة "أباطرة المليارات والترليونات" العابرة للقارات. 

وفق هذه الهندسة الأخلاقية المقلوبة، يصبح من ينهب الملايين مجرد تلميذ مبتدئ لا يستحق العقاب، ومن يزهق نفساً واحدة يبدو "وديعاً" مقارنة بمن يحصد مجتمعات بأكملها وسحق مقدراتها وتجويع أهلها. 

وسط هذا الركام، يبدو الحديث عن "الحداثة"، "الثورات الفكرية"، و"تجديد الخطاب الوعظي" ضرباً من العبث السريالي، يشبه تماماً فيلسوفاً عقلانياً يحاول إلقاء محاضرة عن التنوير وسط ساحة حرب يملؤها ضجيج القذائف وصراخ الجنود ؛ كلمات بالغة الأهمية لكنها تولد ميتة لأنها تقال لآذان صمّاء.


التاريخ يعلمنا أن الأزمات الكبرى والحروب المدمرة غالباً ما تلد حركات تمرد إبداعية وثقافية تقود المجتمعات نحو الخلاص. 

فعقب الحرب العالمية الثانية، انطلقت في فرنسا الحركة الوجودية الأدبية مع سارتر وكامو لتهز المسلمات السائدة وتواجه عبثية الوجود، وفي برلين ولدت تيارات مسرحية وفنية غاضبة أعادت صياغة وعي الإنسان الأوروبي بعد رماد النازية، حيث تحول الألم إلى طاقة فكرية هائلة واجهت توحش الرأسمالية وصناعة الموت. 

لكن في جغرافيا أخرى دمرها الحصار والاحتلال، لم تولد هذه الانتفاضة الإبداعية، بل أفرزت الفوضى جيلاً هجيناً يتغذى على الأنقاض؛ جيل يتصدر مشهده قادة صفقات السمسرة، ومروجو السموم، ومقاولو الجريمة المنظمة، وغاسلو الأموال القذرة الذين وجدوا في غياب الدولة بيئة مثالية لنمو مخالبهم.


هذه النماذج لا تمت بصلة إلى العصابات المنظمة الكلاسيكية التي عرفها العالم قديماً.

 فالجماعات الإجرامية في جنوب إيطاليا أو أمريكا اللاتينية، رغم كل دموية تاريخها، كانت تحكمها في كثير من الأحيان "أعراف خاصة" وبنية اجتماعية معقدة، لدرجة أن بعض زعمائها كانوا يبنون الكنائس والمستشفيات في قراهم، ويحتمون ببيئة ثقافية محلية تحترم الأدب والفن.

 أما المسوخ التي تظهر في أزمنة التحولات المشوهة، فهي خليط فج من الوحشية البدائية والجهل المطبق والتبجح الاستعراضي، حيث يمتزج سلوك "ابن الشارع" المنفلت بسلطة المال والنفوذ المطلق.


لقد تحولت صالات الروليت والقمار السري وواجهات التجارة المشبوهة، الممتدة في زوايا الفنادق والمنتجعات الضخمة، إلى دول عميقة تمارس سطوتها علناً. 

هذه الأوكار التي تدار عبر شبكات أخطبوطية معقدة وشركات وهمية عابرة للحدود تمد حبالها إلى عواصم إقليمية ودولية، لا يمكنها العمل في الفراغ؛ بل تتحرك بغطاء متبادل وحماية مباشرة من فصائل مسلحة ونخب سياسية فاسدة تتقاسم الأرباح. إنها محركات عملاقة لامتصاص الثروات الوطنية، وشرعنة الأموال المنهوبة، وتجارة الرقيق الحديث. وحين يرتفع منسوب الضغط أو الاحتقان الشعبي، تلجأ السلطات إلى تمثيليات هزلية ومداهمات استعراضية لا تطال الرؤوس المدبرة، بل تكتفي بتقديم بعض الأكباش الصغيرة كقرابين لذر الرماد في العيون.


تذكرنا هذه الحالة بمدينة "بومبي" الرومانية القديمة، التي غرق أهلها في مجون الترف الزائف وتجارة العبيد وبناء صالات العبث الفارهة، معتقدين أن قوتهم أبدية، حتى طمرهم رماد بركان فيزوف وهم في أوج غفلتهم وانحلالهم. 

الفارق اليوم أن الرماد لا يخرج من فوهة جبل، بل تصنعه جمرة الجريمة المنظمة التي تنهش جسد المجتمع وتدمر نسيجه القيمي. 

إن هذه الكائنات المشوهة لم تولد من العدم، بل كانت تسبح في المستنقعات النفسية الراكدة، وانتظرت لحظة انكسار القانون وغياب المحاسبة لتخرج إلى الضوء وتقود المشهد بوقاحة، تجعل من الدهشة المتكررة عند كشف أي "حوت فساد جديد" مجرد سذاجة لا طائل منها.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن