د. عمار جابر العطا/ المستشار الفني لوزارة البيئة
في نتائج مؤشر الخدمات المرتبط بالتعداد العام للسكان لعام 2025، تظهر صورة واضحة عن واحدة من أكثر القضايا اليومية التصاقاً بصحة الناس وجودة الهواء وهي طريقة التخلص من النفايات المنزلية.
فهذه البيانات لا تتحدث فقط عن “خدمة بلدية” من عدمها، بل تكشف سلوكاً واسع الانتشار ينعكس مباشرة على الهواء الذي نتنفسه داخل الأحياء، وعلى الأيام التي نشعر فيها بأن السماء “خانقة” حتى عندما لا يكون هناك حدث استثنائي واضح.
استناداً إلى النتائج المُعلنة للتعداد، فإن نحو 58% من الأسر تعتمد على جمع النفايات من خلال البلدية او المقاولين، بينما نحو 13% تتخلص من النفايات عبر الحرق، وهو ما يعني أن ملايين المواطنين يتعرضون بشكل مباشر أو غير مباشر لانبعاثات ناتجة عن احتراق مواد مختلطة داخل الأحياء السكنية.
ومع الأخذ بنظر الاعتبار أن عدد سكان العراق بلغ 46,118,793 حسب إعلان النتائج النهائية، فإن تحويل هذه النسبة إلى عدد أفراد يبين أن عدد من يلجأون للحرق يتجاوز 6 ملايين شخص.
وعندما ننظر إلى الرسم البياني المرفق، يصبح التباين بين المحافظات أكثر وضوحاً: هناك محافظات تتجاوز فيها نسب الحرق ربع السكان، وأخرى تكون فيها أقل بكثير.
هذه الفجوة غالباً لا تعكس “تفضيلاً”، بل تعكس واقع الخدمة، وطبيعة المناطق (حضر/ريف)، وسرعة رفع النفايات، وتوفر حاويات فعّالة، ووجود مواقع طمر وتجميع نظامية أو غيابها. وهذا بالضبط ما يجعل قراءة الأرقام مهمة: لأنها تقودنا إلى تحديد أين تكمن نقاط الضعف الخدمية، وليس فقط إلقاء اللوم على السلوك المجتمعي.
أما السؤال الكبير المطروح: ما هي “الوسائل الأخرى”؟ لأن البيانات تشير إلى أن قرابة ثلث السكان يتبعون طرقاً أخرى غير الجمع أو الحرق.
لفهم معنى “أخرى” عملياً، من المفيد الرجوع إلى تصنيفات الجهاز الإحصائي نفسه في مسوح سابقة، حيث تظهر طرق مثل: وضع النفايات في حاويات مخصصة، أو رميها خارج الوحدة السكنية (في أرض فضاء/قرب مجرى/شارع)، أو طمرها بشكل عشوائي الجزء الأخطر صحياً ليس فقط “وجود نفايات”، بل كيف نتخلص منها. حرق النفايات المختلطة يطلق خليطاً من ملوثات الهواء، من بينها جسيمات دقيقة (PM2.5) والكربون الاسود وملوثات سامة ناتجة عن احتراق البلاستيك والمواد المركبة.
منظمة الصحة العالمية تؤكد أن تقليل الحرق المكشوف للنفايات ضروري لتحسين جودة الهواء والصحة، وتوضح أن الحرق قد يحدث في المنازل أو الشوارع أو المكبات ويولد ملوثات ترتبط بأعراض وأمراض تنفسية وغيرها.
وتزداد الخطورة لأن الحرق العشوائي للنفايات وخصوصاً عند احتراق البلاستيك والإلكترونيات، يمكن أن يكون مصدراً مهماً لمركبات شديدة السمية مثل الديوكسينات والفورانات، وهي مواد معروفة بآثارها الصحية الخطيرة وتراكمها في البيئة.
وعندما نربط ذلك بواقع الهواء في مدن مثل بغداد ومدن أخرى، يصبح من الأسهل تفسير لماذا تكون نوعية الهواء سيئة في عدد غير قليل من الأيام: لأن المصادر ليست “مصنعاً واحداً” فقط، بل قد تكون مصادر منتشرة داخل الأحياء (حرق نفايات، غبار، عوادم، مولدات، وغيرها)، وكلها تتراكم لتُبقي تركيزات الجسيمات الدقيقة والملوثات عند مستويات تضر بالصحة، وهو ما يتوافق مع تأكيدات منظمة الصحة العالمية حول مخاطر ملوثات الهواء ومعايير جودة الهواء.
لهذا السبب، الحديث عن الحل لا يمكن أن يبقى عند حدود “رفع النفايات” فقط، بل يجب أن ينتقل إلى إدارة متكاملة للنفايات البلدية الصلبة تبدأ من تقليل توليد النفايات وفرزها قدر الإمكان، مروراً بجمع منتظم ونقل آمن، وصولاً إلى معالجة وتدوير واسترداد قيمة (على شكل مواد او طاقة حيثما كان مناسباً) ثم التخلص النهائي في مواقع نظامية وبمعايير بيئية. هذا هو جوهر التوجهات الدولية الحديثة التي تربط إدارة النفايات بالاقتصاد الدائري وبخفض الكلف الصحية والبيئية، وتدعو إلى مسار علمي–اقتصادي بدل المسار العشوائي الذي ينتهي غالباً بالحرق أو الرمي المفتوح. ومن موقعنا في وزارة البيئة، نؤكد دائماً على الجهات القطاعية المسؤولة عن الخدمات البلدية — وخاصة وزارة الإعمار والإسكان والبلديات العامة وأمانة بغداد— ضرورة تطبيق التشريعات النافذة واتباع النهج الصحيح في إدارة النفايات، لأن كلفة التأخير لا تُقاس فقط بالمشهد الخدمي، بل تُقاس بتدهور الهواء وارتفاع العبء الصحي على المواطنين.
إن قراءة بيانات التعداد وما تُظهره من ملايين يلجؤون للحرق، ومن نسب كبيرة تتبع “وسائل أخرى” غير واضحة، يجب أن تُعامل كإشارة إنذار وفرصة في الوقت نفسه: إنذار لأن المشكلة واسعة، وفرصة لأن الحل عندما يكون منظومياً سيعطي نتائج سريعة نسبياً في تقليل الحرق العشوائي وتحسين الهواء داخل الأحياء.
