16 Jul
16Jul


بقلم : أ.م. د محمد مرعي جاسم 

   لا تتحرك الدول الكبرى بدافع المصادفات، ولا تُحدد مواعيد الزيارات الرسمية بمعزل عن حسابات السياسة وموازين القوة.

 فالتوقيت، في العلاقات الدولية، ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل رسالة بحد ذاته. ومن هذا المنطلق، فإن زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن لا تبدو مجرد محطة في سياق العلاقات العراقية–الأمريكية، وإنما قد تمثل بداية محاولة لإعادة صياغة الدور الأمريكي في العراق والمنطقة، ولكن بأدوات تختلف عن تلك التي عرفتها المنطقة طوال العقدين الماضيين.

 لقد أدركت الولايات المتحدة، بعد سنوات من الحروب المكلفة في العراق وأفغانستان، أن النفوذ الذي تبنيه الدبابات قد يفرض واقعاً مؤقتاً، لكنه لا يصنع استقراراً دائماً. كما أدركت أن تكلفة الجندي الأمريكي أصبحت أعلى بكثير من تكلفة المستثمر الأمريكي، وأن الدولار، في كثير من الأحيان، أكثر تأثيراً من حاملات الطائرات.

 ولذلك، يبدو أن واشنطن، وتحديداً في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، تتجه إلى إعادة تعريف مفهوم النفوذ؛ من الحضور العسكري المباشر إلى الحضور الاقتصادي، ومن إدارة الأزمات بالسلاح إلى إدارتها بالمصالح والأسواق والاستثمارات.

 وفي هذا السياق، لا يمكن فصل توقيت زيارة الزيدي عن طبيعة المرحلة التي يعيشها العراق. فالحكومة الجديدة ما تزال في بداية طريقها، وهي بحاجة إلى اعتراف دولي، وإلى دعم اقتصادي، وإلى إنجازات سريعة تستطيع أن تقدمها للرأي العام العراقي.

 وهذه اللحظة السياسية، بطبيعتها، تمثل فرصة نادرة للقوى الدولية الساعية إلى بناء تفاهمات مع قيادة لم تستقر بعد على جميع خياراتها الاستراتيجية. ومن هنا، قد لا يكون من المبالغة القول إن واشنطن أرادت أن تفتح قنواتها مع بغداد قبل أن تتشكل معادلاتها النهائية، مستفيدة من حاجة الحكومة الجديدة إلى تثبيت موقعها في الداخل والخارج. لكن قراءة الزيارة لا تكتمل من دون التوقف عند شخصية الرئيس الأمريكي نفسه.  

 فترامب ليس سياسياً تقليدياً، بل هو رجل صفقات دخل عالم السياسة حاملاً معه أدوات عالم الأعمال. ولذلك، فإن خطابه لا يخضع دائماً لقواعد الدبلوماسية الكلاسيكية، بل يقوم على المبالغة في الإعلان عن الإنجازات، واستخدام اللغة الحاسمة، حتى عندما تكون الوقائع أكثر تعقيداً. 

وحين يعلن، على سبيل المثال، أن القوة العسكرية الإيرانية قد “دُمّرت بالكامل”، بينما تشير الوقائع إلى استمرار قدرة إيران على التأثير في الميدان، فإن ذلك لا يُقرأ بوصفه تقريراً عسكرياً، بقدر ما يُفهم باعتباره رسالة سياسية ونفسية تستهدف الداخل الأمريكي، كما تستهدف الخصوم والحلفاء في آن واحد. ومن السمات اللافتة في خطاب ترامب أيضاً، كثرة التحولات في مواقفه، وأحياناً ظهور تناقضات بين تصريح وآخر، أو حتى داخل الخطاب الواحد. 

غير أن هذه الظاهرة قد لا تعكس بالضرورة ارتباكاً في الأهداف، بقدر ما تعكس أسلوباً تفاوضياً يقوم على إبقاء جميع الأطراف في حالة ترقب، بحيث تصبح الكلمة جزءاً من أدوات الضغط السياسي. 

ولعل المثال الأبرز يتمثل في موقفه من مضيق هرمز. فهو يرفض أن تفرض إيران رسوماً على السفن العابرة، بحجة أن المضيق ممر دولي يجب أن تبقى الملاحة فيه حرة، بينما لا يتردد في استخدام الرسوم الجمركية والإعفاءات التجارية أداةً لمكافأة دول ومعاقبة أخرى. ورغم أن القضيتين تختلفان قانونياً، فإنهما تكشفان عن حقيقة سياسية واحدة، وهي أن الاقتصاد أصبح السلاح الأكثر فاعلية في السياسة الأمريكية المعاصرة. لقد أصبح النفوذ يُقاس اليوم بقدرة الدولة على التحكم بحركة الأموال، وسلاسل الإمداد، والطاقة، والاستثمارات، أكثر مما يُقاس بعدد القواعد العسكرية المنتشرة في الخارج.

 ومن هنا، يبرز العراق باعتباره أحد أهم مفاتيح هذه الاستراتيجية ، فالعراق لا يمثل مجرد دولة نفطية، بل يشكل عقدة جغرافية تربط الخليج بتركيا وإيران وسوريا، كما يمتلك موارد بشرية وطبيعية تؤهله لأن يكون مركزاً اقتصادياً مؤثراً إذا ما توفرت له البيئة السياسية المستقرة.

 ولا يبدو مستبعداً أن ترى واشنطن في العراق منصة جديدة لترسيخ نفوذها الاقتصادي في المنطقة، خصوصاً إذا كانت تخطط لتقليص الاعتماد على الوجود العسكري المباشر، واستبداله بشبكة من المصالح الاقتصادية طويلة الأمد. ومن زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل أن الحرب الأخيرة مع إيران، وما رافقها من تطورات، دفعت كثيراً من العواصم الإقليمية إلى إعادة تقييم حدود القوة الأمريكية، ومدى قدرتها على توفير مظلة أمنية مطلقة كما كان يُعتقد في مراحل سابقة. 

وهنا قد تجد الإدارة الأمريكية أن أفضل وسيلة لاستعادة الثقة ليست إرسال مزيد من الجنود، بل توسيع دائرة الشراكات الاقتصادية، وربط أمن الحلفاء بمصالح اقتصادية تجعل الانفصال عن واشنطن أكثر كلفة من البقاء معها. أما الملف الأكثر حساسية، فيبقى ملف الفصائل المسلحة داخل العراق. 

فمن الواضح أن الولايات المتحدة تنظر إلى هذا الملف بوصفه جزءاً من رؤيتها للأمن الإقليمي، وأن بعض دول المنطقة تشاركها هذا التوجه، باعتبار أن تقليص نفوذ السلاح خارج إطار الدولة ينعكس على أمنها. 

غير أن معالجة هذا الملف داخل العراق لا يمكن أن تتم بمنطق الضغوط الخارجية وحدها، لأن تعقيداته السياسية والاجتماعية والوطنية أكبر من أن تُختزل في معادلات الأمن الإقليمي.

 ولعل ما أثار الانتباه خلال الزيارة، تجنب الخوض في بعض الملفات التاريخية الحساسة، ومنها عملية مطار بغداد التي أودت بحياة الفريق قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس. 

وربما يعكس هذا التجنب إدراكاً من الطرفين بأن استدعاء الماضي في لحظة البحث عن تفاهمات جديدة قد يعرقل ما يسعى كل منهما إلى تحقيقه. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل تسعى الولايات المتحدة إلى بناء عراق أقوى، أم إلى بناء نفوذ أمريكي أكثر استدامة داخل العراق؟ قد لا يكون الجواب بسيطاً، لأن السياسة الدولية لا تُدار بالعواطف، بل بالمصالح. 

والقوى الكبرى لا تبحث عن أصدقاء بقدر ما تبحث عن شركاء يحققون لها أهدافها الاستراتيجية. أما العراق، فإن مصلحته الوطنية تقتضي أن يحسن استثمار هذا التنافس، لا أن يتحول إلى ساحة له. فالدول التي تمتلك موقعاً جغرافياً استثنائياً تستطيع أن تجعل من الجغرافيا مصدر قوة، كما يمكن أن تجعل منها سبباً دائماً للأزمات. واليوم يقف العراق أمام مفترق طرق جديد؛ فإما أن يوظف موقعه وثرواته لبناء شراكات متوازنة تحفظ استقلال قراره الوطني، وإما أن يبقى أسير التنافس بين القوى الإقليمية والدولية. 

إن زيارة الزيدي إلى واشنطن قد تكون بداية مرحلة جديدة، لكنها ليست نهاية القصة. فالاختبار الحقيقي لن يكون فيما قيل في البيت الأبيض، بل فيما سيُترجم على أرض العراق خلال السنوات المقبلة. فالتاريخ يعلمنا أن القوى الكبرى تغير وسائلها، لكنها لا تغير مصالحها. أما الدول الذكية، فهي التي تدرك هذه الحقيقة، فتتعامل مع المصالح الدولية بوصفها فرصاً لبناء الدولة، لا مبرراً للتنازل عن سيادتها وأخيراً أوجز القول: إن الولايات المتحدة لا تغادر الشرق الأوسط، بل تغيّر أدوات حضورها؛ من الجندي إلى المستثمر، ومن القاعدة العسكرية إلى السوق، ومن الهيمنة بالقوة إلى الهيمنة بالمصلحة.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن