21 Jan
21Jan


منتصر صباح الحسناوي


في أمسية عابرة جمعتني صدفة مع أصدقاء يمثّلون أجزاءً من الطيف العراقي، مسلمين سنّة وشيعة، ومسيحيين كلداناً وآشوريين، وإيزيديين، كرد … دار الحديث بعيداً عن السياسة بمعناها الحزبي، وقريباً جداً من القلق المشترك للمشكلات المحيطة بالعراق.تلك الجلسة، ببساطتها، كانت صورة مصغّرة عمّا يحتاجه العراق في هذه اللحظة ونحن نمرّ بمرحلة مركّبة تتداخل فيها السياسة بالأمن والاقتصاد، ويتقاطع فيها التنافس الداخلي مع الاضطراب الإقليمي حوله.

هذه المرحلة تشكّل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة النظام السياسي والمجتمع معاً على إنتاج موقف وطني جامع في مواجهة أي مخاطر محتملة تتجاوز حدود الخلافات التقليدية.


في الداخل، هناك حكومة في طور التشكيل في ظلّ مناخٍ سياسي لم يغادر بعد منطق المنافسة الانتخابية.

الخطاب العام، حتى الآن لا يزال محكوماً بحسابات الربح والخسارة، وتوازنات الكتل وإعادة التموضع استعداداً للاستحقاقات المقبلة.

هذا الوضع أفرز حالة من الانقسامات أو التوجّهات المشروعة بالعرف الديمقراطي داخل المكوّن الواحد قبل أن يكون بين المكوّنات، حول النفوذ والتمثيل والقراءة المختلفة لدور الحكومة وحدودها.

في الوقت ذاته، يواجه العراق محيطاً إقليمياً مضطرباً، فما يجري في سوريا لم يعد شأناً بعيداً، فهو يتقاطع مباشرة مع الأمن العراقي عبر الحدود، مع وجود جماعات مسلّحة وخلايا إرهابية لا تزال قادرة على الحركة والتكيّف.

هذا الخطر لا يُقرأ أمنياً فقط، إذ يحمل أبعاداً سياسية واجتماعية ويضع الدولة أمام تحدّي ضبط الحدود وإدارة الملف الأمني دون الانزلاق إلى صراعات بالوكالة.

إلى جانب ذلك، تعيش المنطقة حول العراق بأكملها حالة استقطاب حاد، سواء على مستوى الصراع بين المحاور أو على مستوى الضغوط الدولية المتزايدة.

العراق، بحكم موقعه وتركيبته، يجد نفسه دائماً في منطقة التماس بين هذه القوى، ما يجعل أي انقسام داخلي مادة جاهزة للتدخّل الخارجي.


أيضاً، ما زال الاقتصاد العراقي هشّاً أمام تقلّبات السوق والاعتماد الأحادي على النفط يضاعف من حساسية القرار الوطني.

ملف المياه والبيئة يضغط بصمت، لكن أثره تراكمي وخطير، إذ يهدّد الاستقرار الاجتماعي في المدى المتوسط.هذه التحدّيات مجتمعة لا يمكن التعامل معها بمنطق الحكومة وحدها، ولا بخطاب سياسي منفصل عن المجتمع.


هنا تبرز فكرة القوّة بوصفها نتاج رؤية وطنية متكاملة تحمي العراق اليوم، تبدأ من اتفاق الحدّ الأدنى: أن يكون الوطن هو السقف الأوّل والأعلى، وأن تُدار الخلافات داخله لا على حسابه.

أمّا التنافس الانتخابي فهو مشروع، والاختلاف السياسي طبيعي، غير أنّ تحويل هذه الاختلافات إلى حالة استنزاف يضعف صورة الدولة، ويفتح الباب أمام اختبارها من الخارج.

في هذا السياق، لا يمكن تحميل الأحزاب والمؤسسات السياسية وحدها مسؤولية إنتاج القوّة، فالإعلام عندما ينخرط في خطاب الاستقطاب والتوجّهات السلبية يضاعف أيضاً من هشاشة الداخل.

الثقافة، عندما تفشل في إنتاج سردية جامعة، تترك الفراغ للخطابات المتطرّفة.

المواطنة، عندما تُختزل في الانتماءات الضيّقة، تفقد قدرتها على حماية الفرد والجماعة معاً.الدولة القوية تُبنى بسلوك عام يتكامل فيه السياسي مع المجتمعي.


أمّا الأقليات في العراق فهي تمثّل مؤشّراً حساساً في هذه المعادلة، فأيُّ خللٍ في حماية هذه الفئات أو أيُّ شعور بالتهميش، يتحوّل سريعاً إلى نقطة ضعف وطنية لا إلى مشكلة جزئية.

التجارب القريبة أثبتت أن انهيار الثقة يبدأ من الأطراف ثم يمتد إلى المركز، ولهذا، فإنّ إدارة وحماية التنوّع ضرورة أخلاقية وأمنية وسياسية.
القوّة في الحالة العراقية تعني حكومة توازن بين التوافق والحسم ومجتمعاً يقدّم المصلحة الوطنية على الانفعالات الآنية ونخبة تدرك أن لحظة الخطر لا تحتمل اي خلاف او حتى اختلاف.

أمّا الضعف، فيظهر عندما تتقدّم الحسابات الشخصية والفئوية والحزبية، وعندما يُقدَّم الانقسام بوصفه قدراً لا خياراً.

العراق اليوم أمام تحدٍّ حقيقي، إمّا أن تتحوّل المخاطر المحيطة به إلى عامل توحيد يفرض مراجعة الخطاب والسلوك، وإمّا أن تستمر حالة التنافس فتتحوّل إلى فرصة لدخول المخاطر الحقيقية والرجوع إلى المربّع الأوّل الذي لا نزال في طور التعافي من سلبياته.

الرؤية الوطنية المطلوبة تتعدّى الشعارات إلى ضرورة الاتفاق على أن قوة الدولة هو الشرط الأوّل لأي مكسب سياسي، وأن العدو الحقيقي هو كل ما يهدّد هذا  ذلك.
بهذا المعنى، فإن القوّة التي تفرض الاحترام تبدأ من الداخل، من وعي اللحظة، ومن إدراك أن العراق، بتنوّعه وتاريخه وتعقيداته، لا يحتمل ترف الانقسام والمصالح في زمن الاختبار.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن