12 Feb
12Feb


تمشي في الشارع، لا تبحث عن فكرةٍ بعينها، غير أن العين تلتقط ما يتكرر أكثر من غيره.لوحةُ افتتاح، إعلانُ مشروع، دعوةُ ندوة، ورشةُ عمل، حملةُ صيانة.وفي أعلى المشهد، بخطٍّ عريضٍ يكاد يسبق اسم الجهة نفسها، تقف العبارة:
برعاية…


تتوقف لحظة.من يرعى من؟


هل المشروع يحتاج راعياً؟أم أن الدولة، بمؤسساتها وقوانينها وموازناتها، هي الإطار الذي يحتضن الجميع؟


الرعاية في معناها الأول تعني العناية والتكفّل والإسناد.يكون هناك كيانٌ يحتاج دعماً خارج قدرته الذاتية، فيتقدّم راعٍ يتكفّل به.لكن ما نراه أمامنا بالغالب ليس نشاطاً خاصاً يبحث عن سند، وانما عملاً أُدرج في خطة، ومشروعاً أُقرّ في موازنة، ونشاطاً يدخل في صميم اختصاص الجهة المنفذة.


وهنا يكبر السؤال:من يرعى من؟


الدولة ليست شخصاً.هي منظومة قانون، ومسار قرار، وسلسلة إجراءات تبدأ من دراسة الحاجة، وتمرّ بالتخصيص المالي، وتنتهي بالتنفيذ عبر موظفين يتقاضون رواتبهم من المال العام.المسؤول، مهما علا منصبه، جزءٌ من هذا البناء.يوجّه، يتابع، يتحمّل المسؤولية، ويضع توقيعه في نهاية مسارٍ مؤسسي طويل.هذا هو عمله الذي يتقاضى من خلاله راتب من الدولة .


فكيف يتحول المسار إلى لافتة؟وكيف تختزل المنظومة في اسم؟


المشهد لا يقف عند حدود جهة التنفيذ ، اصبح اوسع و امتد إلى تنافسٍ رمزي ما بين شخصيات تمثل الجانب التنفيذي واخرى تمثل  التشريعي أو الاجتماعي ، تقول إنها صاحبة الفكرة أو من قام بالمتابعة  وقد يكتب بذلك قطعة ، أو يدمج الامر باغنية للتكتوك.


فتتكدس العبارات، وتكبر الخطوط، ويضيع السؤال الأساسي:
من يرعى من؟


عندما يكون العمل جزءاً من الاختصاص الطبيعي للمؤسسة، فإن نسبته إلى المؤسسة أدق وأعدل.أن يُقال: أنجزت الوزارة.نفذت الدائرة.أقامت المؤسسة.
صياغات تبدو بسيطة، غير أنها تُعيد المعنى إلى مكانه.


الكلمة فقدت خصوصيتها وحتى معناها الحقيقي :مشروع: برعاية.مؤتمر:  برعاية .ندوة: برعاية.

ورشة: برعاية.محاضرة: برعاية. سفرة : برعاية. لعبة : برعاية. وأحياناً تحرك إداري داخلي يُقدَّم بالطريقة ذاتها.


عندما تتساوى الأشياء في الوصف، يفقد الوصف وزنه.وعندما يكبر الخط، قد يصغر المعنى.
الأخطر من ذلك أن هذه الثقافة اصبحت ظاهرة متفاقمة في الوعي العام، واقرب للعرف في مؤسسات الدولة.المواطن قد يظن أن المشروع منّةٌ شخصية، لا استحقاقاً مؤسسياً.والموظف الذي عمل وتابع قد يشعر أن جهده ذاب في صورةٍ رمزية.


المنصب هو  وظيفة.

و الإنجاز مسار.

والمؤسسة كيانٌ دائم يتجاوز الأسماء.


أي تبدّل أو التغير  للمناصب أمرٌ طبيعي في الادارة .

الامر الغير طبيعي أن تتبدل لوحات الرعاية مع تلك التغيرات، الأمر الذي يكشف أننا ما زلنا نؤسس للصورة أكثر مما نؤسس للمعنى.ليبقى السؤال مفتوحاً عن ثقافة الدولة نفسها:إذا كانت المؤسسة هي التي تخطط وتموّل وتنفّذ،فمن يرعى من ؟

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن