منتصر صباح الحسناوي
في أزمنة الانقسام والتخندق تصبح مهمة المثقف أكثر تعقيداً، لأن كلمته تُقاس بموقعها من الصراع قبل أن تُفهم في سياقها الفكري. ف
إذا انتقد السلطة عُدَّ معارضاً وإذا أنصفها في موقف أو منجز وُصف بأنه تابع أو مسيّس وإذا حافظ على مسافة نقدية من الطرفين اتُّهم بالرمادية.
وهكذا يُدفع إلى واحد من خندقين: أن يكون صوتاً للسلطة أو صوتاً ضدها، مع أن دوره أوسع من التأييد والمعارضة، وأعمق من التعليق اليومي على القرارات والأحداث.
لا خلاف على أن النقد جزءٌ أصيل من مسؤولية المثقف، فالثقافة التي تصمت عن الفساد وسوء الإدارة والتمييز وانتهاك القانون تفقد معناها الأخلاقي، وعندما تُستخدم الطائفة أو القومية أو الدين ستاراً لحماية الفاسدين، يصبح كشف ذلك واجباً، لا استهدافاً للمكوّن الذي ينتمي إليه الفاسد، كما أن المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة والمساواة أمام القانون واسترداد الأموال العامة، لا تمثل انحيازاً ضد جماعة وانما سعياً إلى دولة تحمي الجميع ولا تستثني أحداً من المساءلة.
الإشكالية تبدأ عند تحول النقد من وسيلة للتقويم إلى هوية للمثقف، فهناك فرق بين ممارسة النقد وبناء الوجود العام على المعارضة المستمرة.
النقد فعل عقلي يقوم على الفحص والمقارنة وإقامة الحجة، أما المعارضة الدائمة فقد تصبح موقفاً سابقاً على الوقائع. عندئذ لا يعود السؤال: ما الذي حدث، ولماذا، وما نتائجه؟ وانما: كيف نثبت أن ما حدث فاشل؟ومع تكرار هذا النمط يفقد المثقف القدرة على التمييز بين قرار خاطئ وآخر صائب وبين مشروع ناقص ومشروع فاشل وبين تقصير قابل للإصلاح وفساد يستوجب المحاسبة.
تتساوى الوقائع لأنها تمر من زاوية واحدة، ويصبح الحكم معروفاً قبل اكتمال المعلومة، وهنا يفقد النقد أهم خصائصه: الدقة والعدالة والقدرة على التفريق.أن حدة الخطاب في النقد المفترض لا تدل بالضرورة على عمقه، قد يكون ردة فعل عن غضب مشروع أو استجابة لمزاج عام، لكنه لا يصبح نقداً مسؤولاً إلا عندما يستند إلى معرفة ويحدد الخلل ويفهم ظروفه.
أما الاكتفاء بوصف كل شيء بالفساد والفشل والانهيار يعيد إنتاج الانفعال السائد بلغة أكثر ترتيباً.وربما يظن المثقف بذلك أنه يقاوم السلطة، فيما يكرّس لدى المجتمع شعوراً بالعجز ويقنع الناس بأن الإصلاح مستحيل وأن جميع الفاعلين متشابهون، عندها يتحول النقد من قوة للتغيير إلى مصدر لليأس. فالمجتمعات لا تتقدم بالمديح، ولا تتقدم بالإهانة المستمرة أيضاً؛ إنها تحتاج إلى من يكشف عيوبها من دون أن يسلبها الثقة بقدرتها على النهوض.
هنا ينبغي التمييز بين السلطة والدولة، فالحكومات تتغير بينما تبقى الدولة إطار الحقوق والمصالح العامة، فنقد المؤسسة بهدف إصلاحها يختلف عن نزع القيمة عن وجودها، مثلما أن كشف التقصير داخل الأجهزة العامة لا يستوجب تصويرها كلها باعتبارها كيانات فاشلة، إذ لا يمكن المطالبة بدولة قوية ثم نشارك في هدم الثقة بكل مؤسساتها من خلال التعميم المستمر.نعم ، قد يكون من مسؤولية المثقف نقد السلطة، لكنها أيضاً قد تستخدم التضليل والطائفية والمبالغة، ولا تصبح بريئة لمجرد وجودها خارج الحكم.
وقد يمارس المجتمع التعصب والتمييز، ويتسامح مع فساد القريب وابن الطائفة أو العشيرة. والمثقف الذي يحمّل السلطة كل المسؤولية ويعفي المجتمع يمنح الجمهور راحة أخلاقية زائفة، كأن الناس لا يسهمون في إنتاج جانب من الواقع الذي يعترضون عليه.هنا تتضح المسافة بين نقد الذات وجلدها، نقد الذات يراجع الأخطاء ليتجاوزها أما جلدها فيحوّل الخطأ إلى صفة ثابتة، ويقرأ التاريخ كله باعتباره سلسلة من الخيبات.
الأول يفتح باب الإصلاح، والثاني يغلقه؛ لأن الجماعة التي يُقال لها باستمرار إنها فاشلة وفاسدة ستفقد ثقتها بنفسها وبإمكان قيام أي مشروع عام.ويقابل مسؤولية النقد واجب حفظ قيمة المنجز، فالمنجز العام ليس ملكاً للحكومة حتى يُنكر بسبب الخلاف معها أو منافسة سياسية، وهي أيضاً ليست هدية شخصية من المسؤول تستوجب مديحه، إنها جزءٌ من تراكم الدولة وحق المجتمع. عند إنجاز مشروع أو إصلاح إداري ينبغي تقييمه وفق أثره وجدواه وكلفته، لا وفق اسم الجهة التي نفذته أو من قصّ شريطه.
إن إنكار المنجز يضعف ثقافة العمل، ويحرم المجتمع من معرفة التجارب التي يمكن البناء عليها ويجعل كل إدارة تبدأ من الصفر.وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول الاعتراف بالمنجز إلى وسيلة لستر الخلل، فقد ينجح مشروع داخل حكومة تعاني إخفاقات كبيرة، وقد يصدر قرار سليم عن جهة نختلف معها، كما قد ترتكب الجهة التي نؤيدها خطأً واضحاً.
وقدرة المثقف على جمع هذه الحقائق هي علامة نضجه، فالواقع لا ينقسم إلى طرف يحمل الصواب كله وآخر يحمل الخطأ كله.
وتزداد المهمة صعوبة في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، لأن المنصات تكافئ المواقف الحادة أكثر من الأفكار المتوازنة، الاتهام ينتشر أسرع من التفسير والمبالغة تمنح حضوراً أكبر من اللغة الهادئة.
وقد يصبح المثقف أسير جمهوره، فيكتب ما ينتظرونه منه لا ما يراه صحيحاً، وهنا يكون ضغط السلطة وحده خطيراً وأيضاً ضغط الجمهور الذي صنع صورة محددة عنه ويريد إبقاءه داخلها. كما أن انتماء المثقف إلى حزب أو عمله في مؤسسة رسمية لا يلغي الاستقلال الفكري له، مثلما أن عدم الانتماء لا يضمنه.
المعيار هو مقدار الحرية التي يحتفظ بها المثقف داخل موقعه: هل يستطيع نقد الجهة التي ينتمي إليها؟ وهل ينصف خصومها إذا أصابوا؟ وهل يطبق المعيار نفسه على الحليف والخصم؟
نحتاج مثقفاً لا يقيس شجاعته بعدد خصوماته، ولا استقلاله بمقدار ابتعاده عن الدولة، ولا تأثيره بحدة عباراته. نحتاج عقلاً يضيء مواضع الخلل كي تُعالج، ويحفظ للمنجز قيمته كي يُبنى عليه، يرى أن الحقيقة أكبر من الأحزاب، وأن الدولة أبقى من الحكومات، وأن المجتمع يحتاج إلى من يصارحه دون أن يهينه، وينقده دون أن يزرع اليأس فيه، ويعترف بما تحقق دون أن يغلق باب المساءلة.