حسين القاصد
منذ وعد بلفور هي حرب دينية، بل منذ قصيدة معروف الرصافي هي حرب دينية، وقد انكسر العرب في نكسة حزيران، لأنها حرب دينية، وادعى العرب، لكن لأن الحرب دينية جيء بالقدس للتعبئة المخاتلة، وقد شاهدت بعيني وكدت أبكي من شدة الضحك والخيبة حين شاهدت مجموعة من الطلبة أعمتهم البيداغوحيا التدجينية ليتطوعوا بجيش القدس؛ كنت في الباص وقتها متجها إلى الجامعة والطلبة الشباب بل الصبيان يتحدثون عن الظلم الذي يتعرض له الفلسطينبون وحين أراد أحدهم النزول من الباص، سلم على صديقه وقال له: نلتقي بالقدس إن شاء الله، ونزل وهو مسلح ببندقية كلاشنكوف، هكذا تم غسل العقول بالعاطفة الدينية، فقد كان الصبيان مدججين بالأناشيد الدينية التي لا تنتهي من دون التغني بـ ( عبد الله المؤمن) وهذا المؤمن كان الاسم الأخير لصدام حسين وكي يعزز هذا اللقب، تقرب لإيران وصار يخاطبها بالجمهورية الإسلامية وائتمنها على كل طيارات العراق، لينتحر بعدها بكل القوات العراقية من بينها ( جيش القدس) في معركته الأخيرة ، ومن بين أناشيد الحرب وقتذاك:
يا جيشنا اليعرببي... الله أكبر
بمكة وقبر النبي... الله أكبر
بأرض الحجاز ونجد.. الله أكبر
التمت جيوش الحقد.. الله اكبر
قد اعتمد صدام حسين على تسليع الخطاب الديني كي يغازل ويخدع الناس المغلوب على أمرهم ويسوقهم لمحرقة الكويت، ولم يكتف بتسليع الخطاب الصائت، بل قام بتسليع السيماء أيضًا حين أضاف ( الله أكبر) للعلم العراقي ليسلع حتى العلم، وصار حتى معلق كرة القدم يصرخ ( وهذه راية الله أكبر ترفرف في الملعب ) ليقصر ( الله أكبر) على العراق، ولم نسأل وليس لنا أن نسأل إذا كانت المبارة بين العراق والسعودية من الذي سيفوز بالمباراة فريق ( الله اكبر) أم فريق ( لا إله إلا الله) وكلتا الدولتين قد سلعتا الخطاب الديني.
وإذن، هي حرب دينية، منذ وعد بلفور ومنذ أن قرأ معروف الرصافي قصيدته التافهة أمام بلفور نفسه ليهنئه ويسوغ للصهاينة إقامة دولة دينية:
خطاب يهودا قد دعانا إلى الفكر
وذكَّرنَا ما نحن منه على ذُكر
ومجَّد ما للعُرب في الغرب من يدٍ
وما لبني العباس في الشرق من فخر
لدى محفِل في القدس بالقوم حافلٍ
تبَّوأه هرير صموئيل في الصدر
دعاهم رئيس القدس ذو الفضل راغب
إليه فلَبَّوْا دعوة من فتىً حرّ
فأمسَوْا وفي ليل المحاق اجتماعهم
يحفّون من هرير صموئيل بالبدر
في اليلة كادت وقد جَلَّ قدرها
تكون على علاّتها ليلة القدر
ولما تناهى من يهودا خطابه
وقد سرّنا من حيث ندري ولا ندري
تصّدى له هرير صموئيل ناطقاً
بسحر مقال جلّ عن وصمة السحر
فصدّق ما للعرب من تالد العلا
وما لهم في العلم من خالد الذكر
وزاد بأن أوما إلى ما لصنعهم
على صخرة البيت المقدس من أثر
وقال وقد أصغى له القوم إننا
سنَرْأب ما أثأتْه منكم يد الدهر
ونُنْهضكم في منهج العلم نهضةً
مقَوّمةً مَا اعْوَجّ فيكم من الأمر
فكانت لهذا القول في القوم هِزّةٌ
سروريّة من دونها هزّة السكر
حنانَيْك يا هربر صموئيل كم لنا
على الدهر من حق مضاع ومن وِتْر
وأغرى بنا الأحداث مُبْتكِراً لها
فلم يأتنا إلا بحادثة بِكر
وقد أفنَت الأيام كل عَتادنا
سوى ما ورثنا من إباءٍ ومن صبر
فلسنا وإن عضّت بنا اليوم نابها
نقرّ على ذلّ وننقاد عن ذُعر
فَمن سامَنا قسراً على الضيم يلقَنا
مصاعيب لا تُعطي المقادة بالقسر
لنا أنفس تحيا بثروة عزّها
وإن نشأت بين الخَصاصة والفقر
إذا نحن عاهدنا وفَيْنا ولم نكن
إذا ما ائتُمنّا جانحين إلى الخَتْر
فإن شئت يا هربر صموئيل فاختبر
خلائق منا لا تميل إلى الغَدْر
وعَدَت فأمسى القوم بين مشّكِك
ومنتظر الإنجاز منشرح الصدر
فكذّب وأنت الحرّ مَن ساء ظنّه
فقد قيل إن الوعد دّين على الحرّ
ولسنا كما قال الألى يُتهِموننا
نُعادي بني اسرائيل في السرّ والجهر
وكيف وهم أعمامنا وإليهم
يمت بإسماعيل قِدماً بنو فهر
وإني أرى العُربيَّ للعرب ينتمي
قريباً من العِبريّ يُنمى إلى العِبر
هما من ذوي القُربى وفي لغتَيْهما
دليل على صدق القرابة في النَجْر
ولكننا نخشى الجلاء ونتّقي
سياسة حُكم يأخذ القوم بالقهر
وهل تثبت الأيام أركان دولة
إذا لم تكن بالعدل مشدودة الأزر
وها أنا قبل القوم جئتك معلناً
لك الشكر حتى أملأ الأرض بالشكر
أليست حرباً دينية،سوغها شاعر مسلم في حفل تأسيس الكيان اللقيط ؟
ستقول لي لماذا استثنيت إيران وعلمها أليس فيه لفظ الجلالة؟ فأقول: إيران دولة دينية ألم تسموها دولة الملالي؟
ودعني أسألك كيف لك أن تحارب ديناً بشعارات قومية؟ فاسرائيل ليست دولة قومية، ترى هل خدعك معروف الرصافي ( بالنجر) ؟لم تُهزم إسرائيل قبل هزيمتها هذه التي قبلها هزيمة في حرب الاثني عشر يوما، وذلك لأن الحرب صارت ديناً ضد دين.
ولمن يقول: الحرب شيعية يهودية فهي حرب طائفة من دين ضد دين مهيمن على الشعب والسلطة معاً، وهي بذلك حرب دينية.لقد نسينا وعد الله واليهود صانوا وعد بلفور، حتى جاء الوعد الصادق ليصعق اليهود وبلفورهم،بحرب دينية كما يحب.
٦ / ٣ / ٢٠٢٦