12 Jun
12Jun


د.مثنى السراي – اكاديمية العراق للطاقة

عندما يتجول المتابع لشؤون الطاقة في ربوع وطننا العراق فستكون الفرحة بادية على محياه بسبب تكحل عيينه بمنظر الألواح الشمسية المنتشرة على اسطح ابنية ومساكن المواطنين المنتجة للطاقة الكهربائية وهذا أن دل على شيء فانه يدل على استيعاب العراقيين لثقافة استخدام الطاقة النظيفة في الحصول على احتياجهم من الكهرباء والابتعاد عن الأساليب التقليدية من استخدام مولدات الديزل. لكن هذه الفرحة لا تكتمل, فبرغم زيادة المنظومات الشمسية المنتجة للكهرباء ذات الطابع المنزلي أو الحكومي أو دخول المزارع الشمسية الاستثمارية للعمل في المنظومة الكهربائية العراقية الا ان المواطن بدء يستشعر وبشكل عميق ساعات القطع الطويلة المعتادة من قبل وزارة الكهرباء وكان لا تأثير لهذه المنظومة في دعم قطاع الكهرباء العراقي.


ولتحليل المشكلة الحالية في زيادة ساعات القطع على المواطن العراقي رغم بلوغ الانتاج من الطاقة الكهربائية صيف 2025 اكثر من 28 الف ميغاواط, لابد للمتابع من ان يعرف سبب هذه الزيادة في ساعات القطع والتي تعكس قلة في انتاج كهرباء تعود الى خفض كميات الغاز المستورد من الجانب الايراني نظرا لرحى الحرب الدائرة في المنطقة ومحدودية كميات الغاز الوطني والوقود السائل البديل  لتوقف الصادرات النفطية العراقية تحت تاثير الظروف الاقليمية كون اغلب الغاز الوطني العراقي من نوع الغاز المصاحب لاستخراج النفط. 

وبذلك يمكننا معرفة اسباب الفرق بين ساعات تجهيز الكهرباء بين الصيف الحالي والصيف الماضي. وتوقعا واستعدادا لمثل هذا النوع من السيناريوهات (لكن بمستوى اقل من الظروف الدراماتيكية الحالية), توجهت الجهود الحكومية من خلال البنك المركزي ووزارة الكهرباء وباقي التشكيلات الاخرى الى تبني مبادرة الطاقة المتجددة. ففي سنة 2022 أطلق البنك المركزي العراقي مبادرة لدعم استخدام الطاقة المتجددة (الشمسية خاصة) من اجل تعزيز التنمية المستدامة وتقليل الضغط على الشبكة الكهربائية الوطنية. 

وتكون الية هذه المبادرة من خلال تقديم قروض ميسرة للمواطنين والمؤسسات لشراء وتركيب منظومات الطاقة الشمسية، سواء للأغراض السكنية أو الاقتصادية. حيث يمكن للمواطنين الراغبين في اقتناء منظومات الطاقة الشمسية حسب هذه المبادرة التقديم مباشرة عبر المصارف أو الشركات المؤهلة من قبل وزارة الكهرباء مقابل نسبة فائدة بسيطة. ورغم سعي هذه المبادرة في نشر ثقافة استعمال منظومات الطاقة الشمسية اعلاميا الا ان اعداد المستفيدين منها قليلة. حيث اعلن البنك المركزي في اذار 2026 عبر تصريح لوكالة الانباء العراقية (واع) عن منح 6 مليار دينار فقط من اصل 6 تريليونات دينار للمصارف كقروض شراء منظومة الطاقة الشمسية. وعند مقارنة اتساع رقعة المشترين للمنظومات الشمسية مع قلة القروض الممنوحة عبر هذه المبادرة يتضح للقارى ان هناك حواجز ادارية وبيروقراطية ثقيلة ومواطن خلل دفعت الناس الى الابتعاد عن هكذا نوع من المبادرات والاعتماد على الذات في شراء الالواح الشمسية عبر الدفع المباشر او الدفع بالتقسيط من الشركات المجهزة لهذه المنظومات.

 ولكي نعرف سبب تراجع ساعات تجهيز الكهرباء مع وجود العديد من منظومات الطاقة الشمسية فلابد لنا من المرور البسيط على تقنية انتاج الطاقة الشمسية. فالطاقة الشمسية تعرف بانها الطاقة الناتجة عن سقوط اشعة الشمس على مجموعة من الخلايا الشمسية (مصنوعة من طبقة سيليكون) مرتبطة مع بعض مشكلة الواح شمسية (Solar Panels).

 وبالاضافة الى الالواح الشمسية تتكون منظومة الطاقة الشمسية ايضا من عاكس للتيار(Inverter) وبطاريات. وترتبط هذه المكونات في انواع متعددة حسب طبيعة حاجة المستفيد ويمكن تصنيفها الى ثلاث انواع وهي: النظام مرتبط بالشبكة (On-Grid) وهي المنظومة التي ترتبط بالشبكة الكهربائية المحلية وتعمل على توليد الكهرباء بصورة مباشرة ولاتحتاج الى بطاريات لخزن الطاقة وتعمل على تصدير الفائض من الكهرباء المنتجة الى الشبكة في النهار وفي الليل يتم العودة الى الشبكة المحلية في تجهيز الكهرباء.اما النوع الثاني فيتمثل بالنظام المستقل عن الشبكة (Off-Grid) ويعمل هذا النوع على تجهيز المستفيد من الكهرباء بالاضافة الى شحن مجموعة من البطاريات التي تعمل على تفريغ شحنتها في حال حلول الليل ولا يوجد ارتباط للمستفيد مع الشبكة المحلية. 

فيما يكون النوع الثالث المعروف بالنظام الهجين (Hybrid) جامعا لمواصفات النوعين السابقين ويتيح هذا النوع استخدام الطاقة الشمسية نهاراً مع تخزين الفائض من الكهرباء في البطاريات للاستخدام ليلاً او انقطاع الكهرباء المحلية ويمكن لهذا النوع من تصدير الطاقة الفائضة او استخدام الكهرباء المحلية في حال زيادة الحمل المستهلك على المنظومة الشمسية.  والصورة التالية توضح الفرق بين هذه الانواع علما بان لكل نوع ظروف ومعايير للعمل حسب بيئة وطريقة نفع المستفيد.


وعند معرفة انواع الانظمة الشمسية التي يستخدمها العراقيون لانتاج الكهرباء نجد إجابات على كل تساؤلاتنا السابقة. حيث  تبين بعد اجراء دراسة استقصائية لبعض الشركات المجهزة والمنفذة لمشاريع الطاقة الشمسية ان هناك توجهين اساسيين في تنصيب المنظومات. فالتوجه الاول هو للمستوى الحكومي حيث تتوجه الشركات لنصب انظمة الطاقة الشمسية من النوع الاول ( النظام المرتبط بالشبكة) لسهولة حقن الكهرباء المنتجة في الشبكة الوطنية وتغذية الاحمال موقعيا وتخفيف الاحمال على مغذيات الكهرباء. وينتشر هذا النوع على اسطح المباني الحكومية وكذلك في المشاريع الاستثمارية من خلال حقن الطاقة المنتجة في مستويات نقل الكهرباء 132 كيلوفولت وتعتمد مراحل نمو هذا التوجه على التخصيصات المرصودة للتنفيذ هكذا مشاريع.

 وهذا التوجه مفيد بالنسبة للمنظومة الكهربائية العراقية وسيسهم بعد انتشاره بشكل واسع وكميات اكبر في تقليل ساعات القطع و تحسين مستويات الجهد. اما التوجه الثاني وهو توجه الافراد والشركات الخاصة فيكون باتجاه النوعين الثاني والثالث ففي المناطق الزراعية والصناعية البعيدة عن مصادرة التغذية الكهربائية يتم استخدام النوع الثاني (النظام المستقل عن الشبكة) لغرض تجهيز الكهرباء لفترات محددة بدون الاعتماد على الكهرباء الوطنية. وهذا التوجه غير موثر في الشبكة الوطنية كون المستفيدين منه كانوا معتمدين سابقا على مولدات الديزل في تجهيز الكهرباء وبالتالي اعتمادهم على الانظمة الشمسية لتوليد الكهرباء لم يوثر في نسبة التخفيف على احمال المنظومة الوطنية.

 اما المستهلك المنزلي او التجاري فتوجههم واضح نحو النوع الثالث من نظام الطاقة الشمسية (النظام الهجين) لحاجتهم المستمرة للكهرباء في الليل والنهار بوجود الكهرباء الوطنية وعدمها. وتطبيق المنظومة الشمسية من النوع الهجين في العراق قد تم تهجينه مرة ثانية وكما موضح في الشكل التالي.

 ففي النهار وبوجود الكهرباء الوطنية تفصل المنظومة الشمسية عن تجهيز المنزل او المحال التجارية ويتم تمرير الكهرباء الوطنية فقط (ويتم استخدام طاقة الالواح الشمسية في شحن البطاريات). وفي حال القطع المبرمج تعود المنظومة الشمسية للعمل لتجهيز الاحمال. 

اما في الليل وبوجود الكهرباء الوطنية فيتم شحن البطاريات من الكهرباء الوطنية لغرض تفريغها اثناء فترة القطع المبرمج. وبذلك يكون اسلوب عمل الانظمة الشمسية من النوع الهجين في العراق مشابه او مطابق بشكل كامل لعمل مولد المنزل او مولد الشارع وبالتالي لا دور لتنصيب هذا النوع من الانظمة على الشبكة الكهربائية خاصة في خفض الاحمال وتحسين مستويات الفولتية وربما سيكون تاثيرها سلبيا من خلال زيادة حمل المنظومة الكهربائية عبر شحن بطاريات المنظومة الشمسية.

 ان اعتماد العراقيين على اسلوب مهجن لتشغيل النظام الهجين لانظمة الطاقة الشمسية او توجههم لتشغيل نظام الالواح الشمسية بخاصية النظام المستقل عن الشبكة خلال فترات انقطاع الكهرباء الوطنية يحرم الشبكة الكهربائية على مستوى العراق من فرصة خفض الاحمال وتقليل الضياعات وتوفير الطاقة لمستهلكين اخرين بالاضافة الى فرصة تقليل صرف كميات الوقود في المحطات الانتاجية اثناء فترات الاحمال الدنيا وبالتالي توفير الاموال لتنفيذ مشاريع اخرى. 

ان لضياع هذه الفرصة الثمينة من تمتع الشبكة الوطنية العراقية بمصادر الطاقة المتجددة في شبكات التوزيع يعود في اصله لاسباب مختلفة منها غياب التشريع الذي يفتح للمواطن باب بيع الطاقة الفائضة عن حاجته اضافة الى تخوف المستهلك من احتمالية اعتبار مقياس الطاقة الخاص به عاطل من قبل جباة المقاييس او قد يسبب في تعطل مقياسه في حال تصديره للطاقة الفائضة عن حاجته. علاوة على وجود مخاوف اخرى لدى المواطنين من تضرر جهاز عاكس التيار (Inverter) في حال عمله لفترات طويلة خاصة مع تصدير

 

شكل يوضح النظام الهجين المهجن عراقيا (الشكل مولد بالذكاء الاصطناعي)

الطاقة المنتجة للشبكة في حال لم تكن هذه الاجهزة منتجة من شركات عالمية ذات جودة ممتازة.


وكما اشرنا سابقا فان غياب او تاخر التشريعات والتعليمات الفنية الدقيقة والواضحة من قبل الجهات المتخصصة كوزارة الكهرباء والبنك المركزي قد يحرم العراقيين من انتشار انظمة الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية والتمتع بالكهرباء المنتجة منها.

 فبرغم من الفائدة الحاصلة من تقليل نسب الكربون المنبعثة في العراق بسبب استبدال مولدات الديزل بانظمة الالواح الشمسية لكن هناك فوائد جمة اخرى مرجوة من اتساع رقعة المستخدمين لهذه الانظمة منها تغذية احمالهم الكهربائية موقعيا وحقن الفائض من الكهرباء المنتجة للشبكة وبالتالي تقليل الاحمال العالية على مغذيات شبكة التوزيع والضغط على الشبكة الكهربائية كاملة.

 بالاضافة الى رفع مستويات الفولتية علاوة على تقليل الوقود المستهلك في محطات التوليد نتيجة خفض الاحمال وبالتالي ستكون فاتورة الكهرباء منخفضة على بقية المستهلكين. 

وعبر هذا المقال نوجه دعوة للجهات المتخصصة بمجال الطاقة المتجددة والداعمة لها وعلى راسهم وزارة الكهرباء والبنك المركزي الى تجاوزعقبة ضعف الوعي وثقافة المجتمع في العراق، والعمل على عدة محاور من أجل زيادة توعية المواطن للتوجه لمثل هذه الانواع من الطاقة المتجددة البديلة لما فيها من مصالح شخصية وعامة.  

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن