منتصر صباح الحسناوي
قبل أيام، حضرتُ محاضرةً لسفير كوريا الجنوبية في بغداد، وكانت المحاضرة مختلفة عن كثير مما يُقال في اللقاءات الدبلوماسية التقليدية.
لم يكن الحديث مجرد استعراض لتجربة اقتصادية ناجحة، ولا سردٍ لإنجازاتٍ صناعية أو تكنولوجية حققتها كوريا الجنوبية خلال العقود الماضية، وإنما كان أقرب إلى محاولة لفتح باب المقارنة بين التجربة الكورية والعراق، وبين ما امتلكته كوريا سابقاً وما يمتلكه العراق اليوم من فرص وإمكانات.
المفارقة التي أثارت انتباهي أن السفير نفسه كان يرى أن "العراق" يمتلك فرصاً وإمكانيات أكبر مما امتلكته كوريا الجنوبية في بدايات نهضتها.
تحدث عن دولة واجهت تحديات جغرافية وسياسية وأمنية معقدة، وعن بيئة إقليمية ليست سهلة إطلاقاً، إذ تحيط بها منافسة قوى عالمية كبرى (روسيا، الصين ، اليابان، نفوذ اميركي، اضافة الى جار يمتلك عمق من التاثير الكبير على كل المفاصل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وايضاً يمتلك النووي يتمثل بكوريا الشمالية، ومع ذلك استطاعت أن تنتقل من الفقر والهشاشة إلى واحدة من أهم الدول الصناعية والاقتصادية في العالم.
هنا تتقارب التجربة مع العراق ، بلدٌ عاش عقوداً طويلة من الحروب والحصار والصراعات والإرهاب والانقسامات والتدخلات الخارجية، ثم وجد نفسه بعد كل ذلك يحاول الوقوف مجدداً وسط منطقة تمتلئ بالتحولات والصراعات والمشاريع الكبرى وإعادة رسم النفوذ والتوازنات.
ورغم كل ما مرّ به، فإن السنوات الأخيرة شهدت حالة من الاستقرار النسبي والانفتاح التنموي والإعمار في كثير من الجوانب، حتى وإن بقي ذلك دون مستوى الطموح الذي ينتظره المواطن العراقي ومما يستحقه هذا البلد وإمكاناته.
لكن المشكلة الأعمق ليست دائماً في الإمكانيات، المشكلة أحياناً في طريقة النظر إلى الدولة نفسها.
كوريا الجنوبية، كما أشار السفير، لم تكن تمتلك ثروات العراق، ولا موقعه الجغرافي ولا موارده الطبيعية، لكنها امتلكت قراراً جماعياً ادرك بأن بناء الدولة أولوية تتقدم على كثير من الخلافات الداخلية.
وقد تحدث عن مشاريع البنية التحتية التي أسهمت في تغيير شكل الاقتصاد الكوري، وأهمها طريق كان له أثر محوري في ربط أجزاء البلاد وخلق بيئات صناعية واستثمارية جديدة حوله، حتى تحول إلى نقطة انطلاق لنهضة اقتصادية واسعة.
وهنا تحديداً حضرت إلى ذهني مفارقة مهمة.إذا كان طريق كهذا قد أسهم في صناعة التحول الكوري، فكيف يمكن النظر إلى مشروع بحجم “طريق التنمية” في العراق؟وهو مشروع لا يربط مدناً داخلية فقط، وإنما يمكن له أن يحول العراق إلى عقدة اقتصادية واستراتيجية تربط الخليج بتركيا وأوروبا، وتخلق حوله مساحات هائلة من النشاط الصناعي والاستثماري والخدمي.
بمعنى آخر، فإن العراق لا يقف أمام فرصة صغيرة أو مشروع محدود، وإنما أمام إمكانية تاريخية قد تعيد صياغة دوره الاقتصادي والسياسي في المنطقة إذا أُديرت برؤية مستقرة وعقلية دولة طويلة الأمد.
لكن هنا يظهر السؤال الأصعب:هل تستطيع القوى السياسية العراقية أن تنظر إلى هذه المشاريع باعتبارها مشروع وطن، لا مشروع حكومة أو حزب أو مرحلة مؤقتة؟العراق خلال العقود الماضية ولا يزال يستُنزف كثيراً بالصراعات.
صراع على السلطة، وصراع على النفوذ، وصراع على المصالح، حتى أصبح المواطن يشعر أحياناً أن التنافس السياسي يسبق فكرة بناء الدولة نفسها، حتى اصبح من البديهيات محاربة النجاح خوفاً من خلق قائد ناجح، وما زالت روح المعارضة سيدة الموقف. في لحظات التحول الكبرى التي تمر بها المنطقة، فإن أخطر ما يمكن أن يواجهه العراق بموارده وامكانياته ضياع الفرص التاريخية بسبب الانقسامات الداخلية.
الدول التي نهضت بعد الحروب لم تكن خالية من الخلافات، لكنها امتلكت لحظة وعي أدركت فيها أن استمرار الصراع بالشكل التقليدي سيؤدي إلى خسارة الجميع.
وربما هذا ما يحتاجه العراق اليوم أكثر من أي وقت مضى:أن تتفق القوى السياسية "مهما اختلفت توجهاتها" على أن هناك ملفات يجب أن تبقى فوق التنافس والصراع وفي مقدمتها بناء الدولة، وحماية المشاريع الاستراتيجية وتعزيز الاقتصاد والاستقرار والثقة بالمستقبل.
لا أحد يطلب إلغاء الاختلافات السياسية، فذلك أمر غير واقعي، لكن الدول المستقرة تضع حدوداً واضحة تمنع تحويل كل مشروع وطني إلى ساحة نزاع أو مادة للتقليل والتشكيك.
أحياناً تختصر الشعوب طريقها بكلمة واحدة.الكلمة التي تكررت في التجربة الكورية كانت:“نستطيع”.
نستطيع أن نبني.نستطيع أن نخطط.نستطيع أن نحول الأزمات إلى فرص.نستطيع أن نستثمر الإنسان قبل النفط والثروات.
أما المجتمعات التي تفقد ثقتها بنفسها، فإنها تستهلك طاقتها في الخوف والتشكيك والصراع، حتى وهي تمتلك كل عناصر النهوض.
العراق اليوم لا تنقصه الفرص.ولا تنقصه الموارد.ولا ينقصه الموقع الجغرافي.ولا حتى المشاريع الكبرى.
ما يحتاجه فعلاً هو إرادة سياسية ومجتمعية تؤمن أن بناء العراق يجب أن يكون العنوان الذي تتراجع أمامه بقية الحسابات.
ويبقى السؤال الذي لا بد من طرحه:هل تستطيع القوى السياسية العراقية "ولو مرة واحدة" أن تتوحد تحت عنوان:“بناء العراق”؟