لا يمكن الحديث عن إصلاح النظام السياسي في العراق دون التوقف عند طبيعة النظام الحزبي الذي تشكل بعد عام 2003، والذي تحول مع مرور الوقت إلى واحد من أبرز أسباب التشظي السياسي وصعوبة إنتاج حكومات مستقرة وواضحة. فالعراق يمتلك اليوم أكثر من مئتي حزب سياسي مسجل رسمياً، وهو رقم يبدو للوهلة الأولى مؤشراً على حيوية ديمقراطية وتعدد سياسي واسع، لكنه في الواقع يطرح سؤالاً مختلفاً:
هل تعكس هذه الأعداد الكبيرة حياة حزبية حقيقية، أم أنها تعبير عن فوضى سياسية وتنظيمية أكثر منها تعددية مستقرة؟ بين التعددية والفوضى من الطبيعي في أي نظام ديمقراطي أن توجد أحزاب متعددة تمثل اتجاهات فكرية وسياسية واجتماعية مختلفة، لكن الديمقراطيات المستقرة لا تُقاس بعدد الأحزاب بقدر ما تُقاس بقدرة نظامها الحزبي على إنتاج حياة سياسية مستقرة وحكومات واضحة. وفي التجربة العراقية، يبدو أن التوسع الكبير في عدد الأحزاب لم يؤدِّ إلى تعزيز الاستقرار السياسي، بل ساهم في تعميق حالة التشظي والانقسام. فالكثير من الأحزاب المسجلة:
وهكذا تحولت بعض الأحزاب إلى ما يشبه “اللافتات الانتخابية المؤقتة”، لا المؤسسات السياسية المستقرة. أصوات تضيع وبرلمان يتشظى هذا التضخم الحزبي لا ينعكس فقط على شكل الحياة السياسية، بل يؤثر بصورة مباشرة في نتائج الانتخابات وطبيعة البرلمان. فمع وجود هذا العدد الكبير من الأحزاب والقوائم، تتوزع الأصوات على كيانات صغيرة ومتعددة، ما يؤدي إلى ضياع نسبة كبيرة من الأصوات وعدم تمكن أي قوة سياسية من الحصول على أغلبية واضحة. والنتيجة الطبيعية لذلك هي برلمان شديد التشظي، وحكومات تقوم على تحالفات وتسويات معقدة، غالباً ما تُبنى على الحد الأدنى من التوافق السياسي لا على وجود برامج واضحة ومتماسكة. الحاجة إلى تنظيم الحياة الحزبية إن معالجة هذه المشكلة لا تعني التضييق على التعددية السياسية أو العودة إلى فكرة الحزب الواحد، بل تهدف إلى تنظيم الحياة الحزبية وتحويل الأحزاب إلى مؤسسات حقيقية تمتلك:
ولهذا، يبدو من الضروري إعادة النظر في شروط تسجيل الأحزاب والمشاركة في الانتخابات. شروط أكثر جدية ومن بين الأفكار التي يمكن مناقشتها في هذا الإطار:
كما يمكن التفكير بوضع معايير تتعلق:
ديمقراطية المؤسسات لا ديمقراطية الفوضى إن الهدف من أي إصلاح للنظام الحزبي يجب ألا يكون تقليل التعددية السياسية، بل ترشيدها وتنظيمها بما يساعد على بناء حياة سياسية أكثر استقراراً. فالديمقراطية لا تعني فقط تسهيل تأسيس الأحزاب، بل تعني أيضاً وجود أحزاب قادرة على تمثيل المجتمع وإنتاج حكومات مستقرة وواضحة. أما استمرار التشظي الحزبي الحالي، فإنه لا يؤدي في النهاية إلا إلى:
الخلاصة بعد أكثر من عشرين عاماً على التجربة السياسية الجديدة، يبدو العراق بحاجة إلى الانتقال من مرحلة “التعددية المفتوحة بلا ضوابط” إلى مرحلة بناء نظام حزبي أكثر نضجاً وتنظيماً. فاستقرار الأنظمة الديمقراطية لا يقوم على كثرة الأحزاب بقدر ما يقوم على وجود أحزاب حقيقية قادرة على التعبير عن المجتمع والمنافسة على أساس البرامج والرؤى، لا على أساس الحضور الموسمي أو الانقسامات العابرة. ولعل إصلاح النظام الحزبي يمثل الخطوة الأولى في طريق إصلاح أوسع للنظام السياسي كله.
سامي العسكري
كاتب وباحث سياسي