08 Aug
08Aug

قراءة في التحولات الاستراتيجية القادمة

بقلم: نصير العلي
في السياسة قد تبدو الأحداث متناقضة، أما في الاقتصاد فلا وجود للمصادفات؛ فكل حرب تعيد توزيع الثروة، وكل أزمة تعيد رسم خرائط النفوذ، وكل اضطراب في سلاسل الإمداد يخلق رابحين وخاسرين.
من هذا المنطلق، فإن قراءة التحركات الأمريكية الأخيرة بوصفها مجرد اندفاع سياسي أو قرارات ارتجالية قد تكون قراءة ناقصة. 

فثمة احتمال آخر يفرض نفسه على مراكز الدراسات الاقتصادية، وهو أن العالم يشهد انتقالًا مدروسًا من نموذج “العولمة المفتوحة” إلى نموذج “اقتصاد الحصون”، حيث تصبح الموارد الطبيعية وسلاسل الإمداد أدوات الهيمنة الجديدة.


منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قادت الولايات المتحدة نظامًا اقتصاديًا عالميًا يقوم على التجارة الحرة، وحماية طرق الملاحة، وربط الاقتصاد العالمي بالدولار. 

لكن هذا النظام أصبح أكثر كلفة بالنسبة لواشنطن، في وقت تجاوز فيه الدين الفيدرالي الأمريكي 39 تريليون دولار، بينما تتصاعد المنافسة مع الصين وروسيا في التكنولوجيا والطاقة والمعادن.


السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: لماذا تغيرت السياسة الأمريكية؟ بل: هل أصبحت العولمة عبئًا على الولايات المتحدة نفسها؟


اقتصاد العالم… رهينة الجغرافيا
ما يزال مضيق هرمز أحد أهم الشرايين الاقتصادية على الأرض، إذ يمر عبره ما يقارب خمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، وفق تقديرات مؤسسات الطاقة الدولية.


وتعتمد اقتصادات آسيوية كبرى، مثل اليابان والهند وكوريا الجنوبية، بصورة كبيرة على نفط الخليج، فيما يبقى الشرق الأوسط موردًا مهمًا للصين وعدد من الدول الأوروبية، رغم مساعي تنويع مصادر الطاقة.


وهذا يعني أن أي مواجهة عسكرية واسعة في الخليج لن تكون أزمة إقليمية، بل صدمة عالمية تضرب الطاقة، والشحن البحري، والتضخم، وأسعار الغذاء، وأسواق المال في آن واحد.


لكن المفارقة أن الولايات المتحدة ليست في الموقع نفسه الذي كانت عليه قبل عشرين عامًا.
فبفضل ثورة النفط والغاز الصخري، أصبحت من أكبر منتجي الطاقة عالميًا، بينما تمتلك كندا ثالث أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وتشكل أمريكا الشمالية واحدة من أكبر السلال الغذائية على مستوى الكوكب.


من يملك الموارد… يملك القرار
طوال القرن العشرين، كانت القوة الصناعية هي أساس الهيمنة الدولية.


أما القرن الحادي والعشرون فيبدو أنه يعيد تعريف القوة بصورة مختلفة؛ فالنفط، والغاز، والغذاء، واليورانيوم، والمعادن النادرة، والرقائق الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، أصبحت جميعها عناصر في معادلة أمن قومي، وليست مجرد سلع تجارية.


ومن هنا يمكن تفسير الاهتمام الأمريكي المتزايد بالمعادن النادرة في غرينلاند، وبإعادة توطين الصناعات داخل أمريكا الشمالية، وبفرض الرسوم الجمركية لحماية الإنتاج المحلي.


قد تبدو هذه السياسات متفرقة، لكنها تشترك في هدف واحد: تقليل الاعتماد على الخارج وتعظيم السيطرة على الموارد الاستراتيجية.


هل يتحول الدين الأمريكي إلى مصدر قوة؟
لأكثر من عقدين، اعتبر الاقتصاديون أن الدين الأمريكي هو أكبر تهديد للمستقبل المالي للولايات المتحدة.


لكن ماذا لو تغيرت قواعد اللعبة؟
إذا أصبح العالم أكثر اعتمادًا على الطاقة والغذاء والتكنولوجيا الأمريكية، فإن الطلب على الدولار قد يبقى مرتفعًا، ليس لأنه العملة الأقوى فحسب، بل لأنه المفتاح للحصول على الموارد الأساسية.


وهنا يتحول الدولار من مجرد وسيلة تبادل إلى أداة نفوذ جيوسياسي.


لا يعني ذلك أن أزمة الدين قد انتهت، لكنها قد تصبح أقل إلحاحًا إذا استمرت الولايات المتحدة في الحفاظ على موقعها كمركز للطاقة والابتكار والتمويل.


نهاية العولمة بصيغتها القديمة
خلال العقود الثلاثة الماضية، كان المعيار الاقتصادي هو الكفاءة وخفض التكاليف.


أما اليوم، فأصبح المعيار هو الأمن.
ولهذا بدأت الشركات العالمية بإعادة مصانعها إلى دول حليفة، وبدأت الحكومات تدفع مليارات الدولارات لتوطين الصناعات الحساسة، حتى وإن كانت أكثر كلفة.


إنها نهاية عصر “الإنتاج الأرخص”، وبداية عصر “الإنتاج الأكثر أمانًا”.


التنبؤ الذي قد يعيد تشكيل العالم
إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن السنوات المقبلة قد تشهد تحولات غير مسبوقة:
* لن تكون الحروب القادمة للسيطرة على النفط فقط، بل على المعادن النادرة والرقائق الإلكترونية والمياه والذكاء الاصطناعي.

* ستتراجع أهمية الحدود السياسية أمام خرائط الموارد وسلاسل الإمداد.

* ستزداد قيمة الدول القادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء والطاقة والتكنولوجيا

.* سيصبح الدولار أكثر ارتباطًا بالموارد الاستراتيجية منه بالتجارة التقليدية.

* ستنقسم الأسواق العالمية إلى تكتلات اقتصادية متنافسة، لكل منها منظومته الصناعية والمالية الخاصة.

* سيصبح الأمن الاقتصادي الركيزة الأولى للأمن القومي، متقدمًا على كثير من المفاهيم العسكرية التقليدية.


العراق… الفرصة التي قد تضيع
في خضم هذا التحول العالمي، يقف العراق أمام لحظة تاريخية.


فالعراق لا يملك النفط وحده، بل يمتلك موقعًا جغرافيًا يربط الخليج بتركيا وأوروبا، وأراضي زراعية واسعة، واحتياطيات من الغاز غير المستغل، وإمكانات كبيرة في الصناعات البتروكيمياوية.


لكن استمرار الاعتماد على تصدير النفط الخام فقط يعني البقاء خارج معادلة الاقتصاد الجديد.
فالمرحلة المقبلة لن تكافئ من يبيع الموارد، بل من يحولها إلى صناعات وسلاسل قيمة مضافة.


ولهذا فإن مشروع طريق التنمية، وتطوير الصناعات التحويلية، واستثمار الغاز المصاحب، وتحقيق الأمن الغذائي، لم تعد مشاريع تنموية فحسب، بل أصبحت جزءًا من الأمن الاستراتيجي للدولة.


ختاماً  … قد يختلف المحللون حول شخصية دونالد ترامب أو أسلوبه السياسي، لكن ما يصعب إنكاره هو أن العالم يدخل مرحلة تُعاد فيها كتابة قواعد الاقتصاد الدولي.


وربما لن يكون السؤال الحقيقي بعد عشر سنوات: من ربح الحرب؟


بل سيكون: من امتلك الطاقة والغذاء والمعادن والتكنولوجيا عندما انهار نموذج العولمة القديم؟
لأن التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن الإمبراطوريات لا تسقط عندما تخسر المعارك، بل عندما تفقد السيطرة على الموارد التي تُبقي العالم محتاجًا إليها.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن