21 Jun
21Jun


  بقلم: الدكتور محمد مرعي الخزاعي

أستاذ العلاقات الدولية المساعد / جامعة الإمام جعفر الصادق (ع)

  أولاً: الدبلوماسية.. 

المفهوم والضرورة الاستراتيجية تُعرف الدبلوماسية في جوهرها العلمي بأنها الفن والعلم اللذان يديران العلاقات الرسمية بين الدول والفاعلين الدوليين بوسائل سلمية، وهي الأداة الرئيسية لتنفيذ السياسة الخارجية للدولة. 

ولا تقتصر الدبلوماسية على التمثيل البروتوكولي، بل هي خط الدفاع الأول عن الأمن القومي، والأداة المحورية لتحقيق المصالح الاقتصادية والسياسية دون اللجوء إلى خيار القوة الخشنة المكلف. 

ضرورة الدبلوماسية للدول: بناء التحالفات وتجنب الصراعات: تتيح الدبلوماسية للدول صياغة شبكة أمان دولية تحمي سيادتها. تعظيم عناصر القوة: يمكن للدول متوسطة أو صغيرة الحجم أن تلعب أدواراً تفوق حجمها الجغرافي أو العسكري إذا ما امتلكت جهازاً دبلوماسياً كفوءاً. 

إدارة الأزمات: توفير قنوات اتصال دائمية حتى في أحلك ظروف الحروب لتقليل الخسائر وصياغة التسويات. 

ثانياً: الدبلوماسية العراقية (1921 - 1958)..

 التأسيس والعصر الذهبي شهدت الدولة العراقية الحديثة منذ تأسيسها عام 1921 ولادة جهاز دبلوماسي اتسم بالمهنية العالية، مستنداً إلى نخبة سياسية وقانونية صاغت هوية العراق الإقليمية الدولية بكفاءة مشهودة، لاسيما في العهد الملكي الأخير وتحت زعامة الراحل نوري السعيد.

أسباب نجاح الدبلوماسية في العهد الملكي: المهنية والابتعاد عن المحاصصة: كان الاختيار للسلك الدبلوماسي يعتمد على الكفاءة اللغوية، الإلمام بالقانون الدولي، والثقافة الواسعة (مثل شخصيات بحجم فاضل الجمالي ونجدة فتحي صفوة). 

الواقعية السياسية: امتلاك رؤية استراتيجية واضحة تفهم موازين القوى الدولية وتعرف كيف توازن بين المصالح الوطنية والتحالفات الكبرى. 

أبرز المكاسب الوطنية والمواقف التاريخية: دخول عصبة الأمم (1932): نجح العراق في أن يكون أول دولة عربية تتحرر من الانتداب وتدخل العصبة كدولة كاملة السيادة، وهو إنجاز دبلوماسي تاريخي قاده نوري السعيد ببراعة تفاوضية عالية مع بريطانيا.

تأسيس جامعة الدول العربية (1945): كان للعراق دور محوري في صياغة ميثاق الجامعة عبر "مشروع الهلال الخصيب" الذي قدمه نوري السعيد. صياغة ميثاق الأمم المتحدة: برز الدكتور فاضل الجمالي في مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945 كأحد الموقعين على الميثاق، مسمعاً صوت العراق وفلسطين في المحافل الدولية بقوة ومنطق قانوني رصين. 

ثالثاً: الدبلوماسية العراقية بعد 2003..

 التراجع، العجز التفاوضي، ومقارنة الصعود الخليجي شهدت الدبلوماسية العراقية بعد عام 2003 تراجعاً ملحوظاً أدى إلى تخلفها عن ركب المحيط الإقليمي. هذا التراجع لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتاجاً لعدة عوائق بنيوية وسياسية جعلت المفاوض العراقي عاجزاً عن انتزاع المكاسب الوطنية.

أسباب تخلف الدبلوماسية العراقية بعد 2003: المحاصصة الحزبية والطائفية: تحول السلك الدبلوماسي في كثير من مفاصله إلى غنائم سياسية، مما أفرغ وزارة الخارجية من الكفاءات المهنية والتكنوقراط لصالح الولاءات الحزبية.

غياب العقيدة الدبلوماسية الموحدة: تشتت الخطاب الدبلوماسي العراقي نتيجة لتعدد مراكز القرار الداخلي، حيث تطلق الأطراف السياسية مواقف متناقضة تُربك السفير العراقي في الخارج وتضعف موقف الدولة. 

شواهد الفشل الدبلوماسي في تحقيق المكاسب الوطنية (الكويت وتركيا نموذجاً): يتجلى عجز الدبلوماسية العراقية المعاصرة في فشل وزارة الخارجية في تسمية فرق تفاوضية وطنية مستقلة من التكنوقراط وأصحاب الاختصاص العالي؛ نتيجة خضوع المؤسسة الدبلوماسية لإرادات الأحزاب المختلفة والمصالح الفئوية والشخصية الضيقة، وهو ما تسبب في ضياع أوراق القوة، والضغط الاقتصادي، والموقع الجيوسياسي الفريد للعراق في ملفين حيويين: المفاوضات مع الكويت (ملف خور عبد الله وميناء مبارك): يبرز هذا الملف كشاهد حي على التخبط والارتجالية؛ إذ عجزت الخارجية العراقية عن تشكيل فريق تفاوضي قانوني وفني صلب يحمي الجغرافيا البحرية للعراق. 

ونتيجة لخضوع هذا الملف للمساومات السياسية والمصالح الشخصية لبعض المتنفذين، تم تمرير اتفاقية تنظيم الملاحة في "خور عبد الله" والسكوت عن الآثار الاستراتيجية لبناء "ميناء مبارك الكبير"، مما أدى في المحصلة إلى تضييق الخناق على الموانئ العراقية وحرمان العراق من إطلالته البحرية الحرة، دون الاستفادة من حاجة الكويت التاريخية والبرية للعراق كعمق اقتصادي وجغرافي لفرض معادلة متوازنة.

المفاوضات مع تركيا (ملف المياه والأمن): يمتلك العراق ورقة ضغط اقتصادي هائلة تتمثل في ميزان تجاري يصب لصالح تركيا بمليارات الدولارات سنوياً، فضلاً عن موقع العراق الجيوسياسي كحلقة وصل أساسية لتركيا نحو الخليج (مشروع طريق التنمية). 

ورغم ذلك، فشل المفاوض العراقي في استخدام هذه الأوراق الاقتصادية لفرض اتفاقية مائية تضمن حصة عادلة وثابتة للعراق في نهري دجلة والفرات، وظل الخطاب الدبلوماسي يتسم بالاستجداء بدلاً من الندّية وفرض المصالح المشتركة.

المقارنة مع دول مجلس التعاون الخليجي: في المقابل، نجد طفرة نوعية حققتها دول مجلس التعاون الخليجي. هذه الدول التي كانت حتى منتصف القرن العشرين (قبل عام 1960) عبارة عن محميات بريطانية ومجتمعات بدوية بسيطة تعيش في بيئة صحراوية قاسية، استطاعت بفضل الاستقرار السياسي والرؤية الاستراتيجية الاستثمار الفائق في المورد البشري وبناء معاهد دبلوماسية رفيعة المستوى جعلتها توظف ثرواتها ومواقعها لفرض أجندتها عالمياً؛ فقادت قطر وساطات معقدة بين واشنطن وطالبان، وأصبحت الإمارات مركزاً لوجستياً واقتصادياً عالمياً، وتدير السعودية دفتي السياسة والاقتصاد عبر مجموعة العشرين (\bm{G20})، مما يوضح الفارق الشاسع بين دبلوماسية توظف عناصر القوة ودبلوماسية عراقية عاجزة ومشتتة بفعل الصراعات الحزبية. 

رابعاً: الدبلوماسية الإيرانية..

 مدرسة البراغماتية، النفس الطويل، وتوظيف أدوات القوة تُعد الدبلوماسية الإيرانية نموذجاً إقليمياً لافتاً في القدرة على المناورة وتحقيق الأهداف الاستراتيجية للدولة، مستنداً إلى إرث تفاوضي يعتمد على "حياكة السجاد" (الصبر والنفس الطويل) والقدرة العالية على الدمج بين القوة الخشنة والناعمة.

مفاوضات الملف النووي: واجهت طهران القوى الست الكبرى (\bm{P5+1}) لسنوات، واستطاعت ببراعة فريقها الدبلوماسي انتزاع اعتراف دولي بحقها في التخصيب السلمي، ورفع العديد من العقوبات في اتفاق عام 2015، مستغلة التناقضات الدولية بذكاء مفرط. إدارة الحرب الأخيرة وتحجيم مخططات نتنياهو وترامب: في ظل الحرب الأخيرة والتصعيد غير المسبوق، قدمت الدبلوماسية الإيرانية درساً في "الردع الدبلوماسي الرديف للقوة العسكرية"، وتجلى ذلك في: توظيف كافة موارد القوة: لم تترك طهران الساحة للمواجهة العسكرية المحضة، بل وظفت ثقلها الجيوسياسي، وشبكة حلفائها الإقليميين، وقنواتها الخلفية مع الغرب لخدمة هدف استراتيجي موحد، وهو حماية الأمن القومي الإيراني وفرض معادلة ردع جديدة. إحراج وإحباط توجهات نتنياهو وترامب: سعى بنيامين نتنياهو بدعم من الدوائر اليمينية في واشنطن وتوجهات دونالد ترامب التصعيدية إلى استدراج الولايات المتحدة لحرب شاملة ومباشرة لتدمير المفاعلات النووية والبنية التحتية الإيرانية. 

هنا تحركت الدبلوماسية الإيرانية ببراعة؛ حيث قاد وزير خارجيتها جولات ماراثونية مكثفة شملت عواصم المنطقة (لاسيما الخليجية) لحياد الأجواء وضمان عدم استخدام القواعد الأمريكية في المنطقة لضرب إيران، مما أفشل مشروع "التحالف الدولي الإقليمي" ضدها وأبقى نتنياهو معزولاً في خياراته العسكرية الشاملة. كسب الصراع بالدبلوماسية وتعظيم القوة العسكرية: استطاعت إيران كسب جولة الصراع عبر تسييس ضرباتها العسكرية المباشرة؛ حيث حوّلت صواريخها ومسيراتها إلى "أوراق تفاوضية" على الطاولة. 

فلم تكن القوة العسكرية غاية بحد ذاتها، بل كانت أداة لتعظيم الموقف الدبلوماسي وفرض شروطه، مما أجبر واشنطن والغرب في نهاية المطاف على السعي وراء التهدئة والاعتراف بقواعد الاشتباك الجديدة، مكرسةً انتصاراً دبلوماسياً وسياسياً حافظ على مكتسباتها وتجنب حرباً تدميرية تطيح بموارد الدولة. 

خامساً: التوصيات والرؤية المستقبلية للحكومة العراقية إن استعادة العراق لمكانته الدولية المستحقة تتطلب ثورة تصحيحية شاملة في أدواته الدبلوماسية وخارج إطار التقليد، ويمكن تلخيص خطة العمل في النقاط الآتية: مأسسة العمل الدبلوماسي وعصرنته: إلغاء المحاصصة الحزبية في اختيار السفراء والبعثات الدبلوماسية نهائياً، والاعتماد الصارم على معايير الكفاءة، واللغات، والشهادات التخصصية في العلوم السياسية والعلاقات الدولية والقانون. 

تشكيل فرق تفاوضية وطنية دائمة ومستقلة: إبعاد الملفات السيادية الحساسة (مثل المياه والحدود والموانئ) عن أروقة المساومات الحزبية، وتشكيل مجلس أعلى للمفاوضات يضم خبراء قانونيين، وفنيين، واستراتيجيين مستقلين تقع على عاتقهم صيانة حقوق العراق العليا.

تفعيل دور معهد الخدمة الخارجية: تحويل معهد الخدمة الخارجية إلى خزان تفكير (\bm{Think \ Tank}) حقيقي يرفد صانع القرار بالدراسات الاستشرافية، وتدريب الكوادر وفق أحدث نظريات التفاوض الدولي. توحيد الخطاب السياسي الخارجي: يجب أن تلتزم كل القوى المشاركة في السلطة بالخط الرسمي لوزارة الخارجية، وتجريم أي تصريحات موازية تضر بالمصلحة الوطنية العليا للعراق. تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية والجيوسياسية كأوراق ضغط: إعادة صياغة المفاوضات مع دول الجوار على أساس المصالح المشتركة والندّية؛ واستخدام السوق العراقية الواعدة، وحجم التبادل التجاري، ومشاريع الطاقة والممر الدولي (طريق التنمية) كأوراق ضغط حاسمة لانتزاع حقوق العراق المائية والسيادية والحدودية.

خاتمة المقال: إن التاريخ يثبت أن العراق يمتلك كل مقومات القيادة الإقليمية، وما تراجع دبلوماسيته اليوم وعجزها عن توظيف أوراق قوتها إلا عارض بنيوي يمكن تجاوزه إذا ما توفرت الإرادة السياسية الحقيقية لإعادة الهيبة للمؤسسة الدبلوماسية، والاستفادة من تجارب الماضي المشرق وقصص النجاح في الجوار الإقليمي.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن