28 Sep
28Sep

متابعة- عبد العليم البناء 

 شارك العراق في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي الذي انعقد نؤخراً من خلال ثلاثة أفلام وثائقية هي (صوت الأهوار)، و(ذاكرة القصب)، و(طبيبة القصب)، التي نقلت إلى الجمهور الدولي صورًا من الحياة اليومية لسكان الأهوار في جنوبي العراق، وما تواجهه هذه المنطقة الفريدة من تحديات متزايدة بفعل الجفاف وشح المياه والتغيرات المناخية. 

وركزت الأفلام الثلاثة على الأهوار بوصفها أكثر من مجرد فضاء جغرافي، مقدمة حكايات الإنسان وعلاقته بالماء والقصب والطبيعة، ومضيئة أنماط حياة ارتبطت بهذه البيئة العراقية على مدى عقود طويلة. 

وبهذا الحضور، انتقلت الأهوار من كونها موقعًا طبيعيًا معروفًا إلى حكاية إنسانية وبيئية مفتوحة على جمهور يتجاوز الحدود. وحملت الأفلام الوثائقية العراقية حكايات الأهوار وذاكرتها إلى المشهد السينمائي الدولي، في وقت عادت فيه ذاكرة حرب عام 2003 إلى الشاشة من خلال عمل سينمائي أميركي، ليظهر العراق في المهرجان من زاويتين متجاورتين: بيئة الأهوار التي تكافح للحفاظ على توازنها الطبيعي، وبغداد التي لا تزال آثار الحرب فيها حاضرة في الذاكرة السينمائية والإنسانية. 

وأخرج الأفلام الوثائقية الثلاثة كريستيان أبي عبود، فيما تولى إنتاجها أوميد خالد، وجاءت ضمن مشروع (إنعاش الأهوار – إنعاش الأمل) التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق، والذي تنفذه مؤسسة بابلون للأفلام بتمويل من الحكومة الكندية.

 وتكتسب هذه المشاركة أهمية خاصة من كونها لا تقدم الأهوار من منظور سياحي أو بصري حسب، وإنما تحاول الاقتراب من حياة سكانها وقصصهم وذاكرتهم وعلاقتهم بالماء والطبيعة. 

كما تضيء على التحولات التي فرضها تراجع الموارد المائية والتغير المناخي على مجتمع تشكلت حياته واقتصاده وثقافته حول بيئة الأهوار.

 كما أتاحت المشاركة العراقية في سوق مهرجان تورنتو مساحة تتجاوز العرض السينمائي التقليدي، إذ تشكل أسواق المهرجانات الدولية مجالًا للتواصل بين صناع الأفلام والمنتجين والمؤسسات الثقافية والجهات العاملة في صناعة السينما، وطرح المشاريع والقضايا المحلية أمام شبكة دولية من المهنيين. وفي موازاة الحضور الوثائقي، شارك العراق في البرنامج السينمائي للمهرجان من خلال فيلم (التكفير Atonement) للمخرج ريد فان دايك، وهو إنتاج أميركي تدور أحداثه حول عائلة عراقية في بغداد عام 2003 تتعرض لمأساة خلال اشتباك مع قوات من مشاة البحرية الأميركية. وبعد سنوات، يحاول أحد الجنود السابقين الوصول إلى أفراد العائلة الناجين ومواجهة ما حدث، وذلك من أجل مواجهة ماضيه وطلب الصفح والتكفير عن ذنبه، ويلعب أدواره: بويد هولبروك (في دور الجندي الأمريكي لو داليساندرو)، كينيث براناه (في دور الصحفي مايكل ريد الذي يساعد الجندي)، هيام عباس (في دور الأم مريم خاشادوريان)، وتؤدي الفنانة غيد صالح دور (نورا)، وهي فتاة عراقية فقدت أفراداً من عائلتها في حادثة إطلاق نار، بينما يسجل الفنان العراقي تحسين داحس حضوراً مميزاً إلى جانبها في أول مشاركة سينمائية عالمية لها. 

وعُرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً في مهرجان كان السينمائي 2026 (قسم أسبوع المخرجين)، ونال إشادة نقدية واسعة. كما شارك في سبتمبر 2026 في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي، وتم تصوير المشاهد بين تكساس في أمريكا والعاصمة عمّان في الأردن، ومن المقرر إطلاقه رسميًا في دور العرض السينمائي في 2 تشرين الأول أكتوبر 2026 عبر شركة التوزيع كينو لوربر. 

وهكذا بدا الحضور العراقي في تورنتو متنوعًا في موضوعاته، لكنه يلتقي عند قدرة السينما على تحويل الأمكنة والوقائع إلى حكايات إنسانية تصل إلى جمهور عالمي. فمن الأهوار، حيث الماء والقصب والإنسان في مواجهة الجفاف والتغير المناخي، إلى بغداد التي لا تزال حربها تستدعي السينما بعد أكثر من عقدين، قدمت المشاركة صورتين من بلد تتحول ذاكرته وبيئته إلى مادة للحكاية والتأمل على الشاشة الدولية.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن